فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ظلماء الجاهلية إلى ضياء الحق لا دلالة لها على أن هذا هو المنهج الذي تسير عليه حتميات التقدم، فإنه لو كان ذلك هو المنهج لكان وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم لازم لإنتشار الدعوة، ولكان هذا أمر خارج عن نطاق القدرة البشرية إذ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم - بأبي هو وأمي ونفسي - بشر يموت كما يموت البشر، والله سبحانه لا يكلف المؤمنين بالنهوض ويأمرهم بالإستعلاء ثم يحرمهم الأداة اللازمة لذلك النهوض. يقول الأستاذ سيد:"لو كان وجود شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتميا لقيام هذه الدعوة، وإيتائها ثمراتها، ما جعلها الله دعوة للناس كافة، وما جعلها آخر رسالة، وما وكل إليها أمر الناس في هذه الأرض، إلى آخر الزمان. ."المعالم [4] . إذن فإن أمر النهوض بالأمة موكول إلى الفئة المؤمنة ولا يرتبط بظهور رجل من الرجال ليخرج الناس من الظلام إلى النور.
قلنا إن الأستاذ سيد قطب، إذن، يرتقب ظهور تلك الفئة المستعلية بإيمانها، والتي يمكن أن تعلو حتى تقترب من جيل الصحابة الأبرار، وليس هناك ما يمنع ذلك. بينما يرجو الأستاذ محمود شاكر أن يظهر رجلا من بين الناس، يشعر بشعورهم ويألم لألمهم ويكون هو المنقذ المنتظر والأمل المرتقب.
والحق أنّ الشيخ الجليل جعفر شيخ إدريس - أطال الله عمره - لم يأت بدليل شاف على ما افترضه [5] من أنّ سيدا رحمة الله عليه يرى إمكان أن يأتي جيل مماثل لجيل الصحابة، بل إن كلّ ما ذكره الأستاذ سيد أنّ جيل الصحابة لم يتكرر في الواقع العملي، وأنّ غياب شخص رسول الله صلى الله عليه وسلّم لا يمكن أن يكون هو العنصر الأوحد في هذه الظاهرة، وهذه المقدمات لا يلزم عنها أنه يمكن أن ينشأ جيلا مماثلا للصحابة، وهو مالم يصرّح به الأستاذ سيد، بل أظن أن المقصود هو أن إيمان الصحابة واستعلائهم هو العنصر الحاسم في عدم تكرار جيلهم، ولكن مثل هذا الإيمان لا يمكن أن يتكرر، وبالفعل لم يتكرر، لأنه مرتبط بما استقوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لا يمتنع أن يخرج جيل قريب من أولئك المصطفين من الناس طالما أنّ الكتاب والسنة محفوظين الى يوم القيامة. ولتقرأ إن شئت فصل"جيل قرآني فريد"فلن تجد فيه كلمة واحدة يدعي فيها المؤلف أن جيل الصحابة، الجيل المميز الفريد على حدّ قوله، يمكن أن يتكرر تكرر المثليّة، وهذا هو مربط الفرس، المثلية، ولكن تكرر الجيل الذي يعلو على الأجيال ويكون من جيلٍ"أمثل"كما في حديث"ثم الأمثل فالأمثل"فهو ما لا يمتنع عقلا ولا شرع.
منهاجان ظاهرهما الإختلاف والتضاد، إلا إنهما فيما أحسب، ليسا بهذا القدر من التباعد والتجافي، بل إنهما يتباعدا حتى نظنّ أنهما ضدان لا يلتقيان، ويتقاربا حتى نظن أنهما توأمان لا يكادان يختلفان. وإليك شرح هذه الجملة بما فتح الله سبحانه عند التأمل في كلا المنهاجين، وفي شخصية صاحبيهما، إذ إن المنهج لا ينفصل عن صاحبه.
ومفتاح ذلك الأمر في أن"الرجل"و"الفئة"كما يسميها سيد رحمة الله عليه هما خليط بعضه من بعض، فالرجل الذي يرتقب إمامنا محمود شاكر ظهوره لا يخرج إلا في فئة علت بنفسها وارتفعت بإيمانها حتى تنبت مثل هذا الرجل، ثم إنه يتميز بصفات شخصية كريمة تجعل محله في القلب من تلك الفئة. وهو يعرف مشكلاتها ويعيش ثقافتها ويكتوى بآلامها فهي منه وهو منه. ومن كانت هذه صفاته لا يكون إلا قائدا مقدما في هذه الجماعة، يفخر بها وتفخر به.
ثم إن الفئة التي تتربى على معالى الأخلاق والشرف والتضحية والكرامة وكلّ ما يقدمه الإسلام لأبنائه من علوّ لابد لها من قائد يقود مسيرتها إذ إنه لا جماعة بلا أمير كما إنه لا جسد بلا رأس، فحين تنضج الجماعة وتصل إلى مرتقاها الأعلى فلابد أن تتخذ لها رئيسًا مقدمًا تسلمه قيادها ليحدوها إلى ما شاء الله لها من قيادة البشرية إلى خيرها وفلاحها. ولا نحسب أن سيدًا قصد إلى أنّ هذه الفئة التي يرتقب ظهورها لا تتخذ لها رئيسًا قائدًا، فإن هذا مما يخالف قواعد الإجتماع ومبادئ العقل جميعا.
(يُتْبَعُ)