فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
إذن، فإن المنهاجين يلتقيان، وإن ظهر أنهما يبدآن من نقطتين متباينتين."الرجل"لا يظهر إلا من"فئة"يصلح أن تنبت فيها القيادة، و"الفئة"لا تتقدم دون أن تتخذ"رجلا"قائد. وإفتعال"الرجل"لا يصلح أن تقوم عليه أمة، ومن هنا فإن أمتنا لا تزال جاهدة في سعيها إلى أن تجد الرجل المناسب لقيادتها، كما أن أمة لا ترتقي بنفسها فتتمخّض عن رجل صالح بكل معاني الصلاح لن يكون من نصيبها أي تقدم أو فلاح، ولهذا فإن أمتنا أمامها طريق شاق لتنشأ فيها فئة ٌ ينشأ منها رجل، أو ينشأ فيها رجل يقود الفئة المستعلية، أيهما تختار، فهما أمران متحدان في المنتهى و إن اختلفا في المبدأ.
ثم إن المتأمل في معالم شخصية سيدٍ رحمة الله عليه، وتجربته في العمل الإسلامي التي أثمرت، على قصرها، أشجارا يافعة في العمل الإسلامي وأحدثت ظلالا مباركة جنّبت الكثير من أبناء العمل الإسلامي لوافح الشرك وهجير البدع، وجدها قد اختلطت منذ بدايتها بتجربة"الإخوان المسلمون"التي كانت، ولا زالت، تعيش منهج"الرجل"القائد الذي تمثلته في شخصية حسن البنا رحمة الله عليه، إلى حدّ يقرب من التقديس ويرفع مكانة الرجل إلى من لا يجوز عليه الخطأ أو المراجعة، ثم نجد سيدًا وقد خالف الإخوان نظريًا وعمليًا ولم يقنع بما قدّموه من مناهج بعد رحيل القائد"الرجل"، وهذا مما لا شك فيه كان له أثر حاسم على إختياره مذهبًا يلقى بتبعة التقدم على عاتق"الفئة"المؤمنة لا على الرجل الفرد.
كذلك فإن الله سبحانه قيّض لسيد رحمه الله فئة من الرجال المخلصين الصابرين العاملين [6] ممن تتلمذوا له وأخذوا عنه ولازموه سنيه العجاف في السجن والحبس، فرأي فيهم أملا منشودا ولواءًا معقودًا، وكانت تلك الفئة [7] ، معه وبه، هي طليعة الفئة المؤمنة التي رأى حبال النجاة بها موصولة وبشائر الخير بنواصيها معقودة. ولا شك أنّ هذا التمازج بين الأستاذ وطلابه قد صاغ توجهاته، وهيأ له تبني هذا الإتجاه، فإن واقع الحال له قوة مؤثرة على الفكر الحركي وإتجاه النظر، وكأن حركة الفكر وفكر الحركة قد تمازجا لينشأ عنهما مذهب وليد، هو مذهب"الفئة المؤمنة"المرتقبة في حالتنا هذه.
ثم إذا تأمل الناظر في شخصية إمامنا وإمام العربية محمود شاكر وجده قد تفرّد عن الأخلاط وابتعد جّلّ عمره عن الموافق والمخالف، ولزم بيته سنين عددا يعرف عنها القاصي والداني ولا مجال لسرد تفاصيلها، وهو مما لا شك فيه يقوى إتجاه النظر إلى ذلك الفرد الذي تجتمع فيه كلّ ميّزات عصره ومحاسن أخلاق قومه ما يؤهله لأن يكون القائد المقدم والسيد المطاع، خاصة إن كان صاحب هذا النظر هو من طبقة علامتنا الإمام من حدة الذكاء وشدة النباهة وقوة النفس، فهو يتمثل هذا الرجل، في خلواته التي طال أمده، ويرى فيه صورته إن اكتملت وهُيّأ لها أن تخرج إلى الناس لتنفعهم وتوجههم لما فيه صلاحهم.
إذن فإن مذهب الرجلين هو قطعة من حياتهما قد اختلطت بفكرهما وتمازجت بتجربتهما العملية فأنتجت ما رأيت من مذاهب يهتدى بها رجالات العمل الإسلامي في هذا العصر حين يرتبون لأمتهم ما يرتفع بها عن حضيض التخلف وبلاء التبعية.
نسأل الله أن يفسح لنا من العمر ما نتقصى فيه هذا المذهب في النظر إلى فكر الإئمة واستخراج مكنونات أصولهم فنربط الفكر وحركته بمعالم الشخصية وكُنْه النفس، وهو المذهب الذي ارتضيناه في كتابنا"مقدمة في أسباب اختلاف المسلمين وتفرقهم"منذ نيّف وعشرين عاما مضت.
رحم الله الإمامين فإن الأمة قد فقدتهما في زمن - يعلم الله - هي أشد ما تكون حاجة إليهما.
[1] مجلة الرسالة، السنة الثامنة - عدد 340، 1940،تحت عنوان"الإصلاح الإجتماعي"، عن كتاب"جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر"جمع الدكتور عادل سليمان جمال، نشر مكتبة الخانجي، ج1ص52
[2] المصدر السابق.
[3] معالم في الطريق، الفصل الأول
(يُتْبَعُ)