ـ [نور السلفية] ــــــــ [20 - Mar-2009, مساء 12:30] ـ
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين بعد أن أوضحنا منهج السلف في إثبات صفات الله تعالى وأسمائه، وأبنّا أن منهجهم لا يتجاوز الكتاب والسنة.
سنستعرض فيما يأتي الاصطلاحات التالية مرتبة:
2 -ثم نتحدث عن معنى الإلهية لغة وشرعًا.
3 -نتبع ذلك بالكلام على معنى الصفة الإلهية لغة واصطلاحًا.
4 -ثم نتناول بالبحث مفهوم الذات في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة.
أما مفهوم الذات الإلهية عند علماء الحديث والسنة:
فذاته تعالى كاملة الكمال المطلق الذي لا يشاركه فيه أحد، فلا تشبه ذاته ذوات خلقه بل لا يعلم كيف هو إلا هو سبحانه.
وذاته موصوفة بجميع الكمالات التي لا تعد ولا تحصى، وإلى هذا المعنى يشير رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، حيث يقول في بعض دعائه وتضرعاته وهو ساجد لله سبحانه:"لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك"110، وزعمت المعتزلة - وبئس ما زعموا- أن اتصافه تعالى بالصفات يتنافى والواحدانية، أو على حد تعبيرهم أن وصفه تعالى بصفات زائدة على الذات يؤدي إلى تعدد القدماء. وهو ينافي التوحيد، والمراد بالتوحيد هنا"التوحيد"في مفهوم المعتزلة الذي سيأتي ذكره وتفسيره عند الكلام على أصولهم الخمسة المعروفة111، وهو مفهوم خاطئ كما لا يخفى على كل من له إلمام بالموضوع.
بل الممنوع الذي لا يساير التوحيد الصحيح هو إثبات ذوات قديمة لا إثبات ذات موصوفة بصفات الكمال. قال صاحب المواقف:"إن الكفر إثبات ذوات قديمة لا إثبات ذات وصفات"112، وشبهة المعتزلة -كما ترى- شبهة واهية وغير معقولة، إذ لا يتصور عقلًا، موجود في الخارج وهو مجرد عن الصفات، وعلى هذا يكون وجود واجب الوجود عندهم وجودًا ذهنيًا لا خارجيًا. تعالى الله عما زعموا علوًا كبيرًا.
وأما علم حقيقة ذاته وكيفيتها فأمر لا سبيل إليه لأي مخلوق، إذ ليس من الجائز أن يحيط المخلوق بالخالق علمًا وإدراكًا لحقيقته ذاتًا ووصفًا، وصدق الله حيث يقول: {وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} 113، {وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا} 114، قال صاحب المواقف:"إن ذاته مخالفة لسائر الذوات، فهو منزه عن المثل والند، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا"، ثم قال:"قال قدماء المتكلمين: ذاته تعالى مماثلة لسائر الذوات وإنما تمتاز عن سائر الذوات بأحوال أربعة:"
1 -الوجوب
2 -الحياة.
3 -العلم التام
4 -القدرة التامة.
وعند أبي هاشم تمتاز بحالة خامسة وهي الموجبة لهذه الأربعة يسمونها"بالإلهية"، ثم قال صاحب المواقف:"لنا لو شاركه غيره في الذات لخالفه بالتعيين ضرورة الاثنينية، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز"115 ا. هـ
قال الحافظ ابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد نقلًا عن السهيلي اللغوي:"وأما الذات فقد استهوى أكثر الناس ولا سيما المتكلمين، القول فيها أنها في معنى النفس والحقيقة. ويقولون: ذات البارئ هي نفسه، ويعبرون بها عن وجوده وحقيقته. ويحتجون في إطلاق ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام في قصة إبراهيم:"ثلاث كذبات كلهن في ذات الله"116، وقول خبيب:"وذلك في ذات الإله"117، قال: وليست هذه اللفظة إذا استقريتها في اللغة والشريعة كما زعموا، ولو كان كذلك لجاز أن يقال عند ذات الله واحذر ذات الله، كما قال تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ} 118، وذلك غير مسموع، ولا يقال إلا بحرف"في"الجارة وحرف"في"للوعاء، وهو معنى مستحيل على نفس البارئ تعالى، إذا قلت: جاهدت في الله تعالى وأحببتك في الله تعالى محال أن يكون هذا اللفظ حقيقة، لما يدل عليه هذا الحرف من معنى الوعاء. وإنما هو على حذف المضاف أي في مرضاة الله وطاعته، فيكون الحرف على بابه كأنك قلت: هذا محبوب في الأعمال التي في مرضاة الله وطاعته، وأما أن تدع اللفظ على ظاهره فمحال."
(يُتْبَعُ)