فهرس الكتاب

الصفحة 2876 من 28557

ـ [آل عامر] ــــــــ [07 - Aug-2007, صباحًا 03:56] ـ

هناك مفكرون عمالقة خلقهم الله مفكرين بطبعهم، وهناك توابع وأذيال، وهم أولئك الذين دخلوا مدرسة الفكر عند إعلان نتائج الامتحان .. ! يقرأ احدهم لفيلسوف كأفلاطون وابن رشد أو هيغل مثلًا، ثم يهيج ويعتقد انه اصفر واستوى على سوقه، ويبدأ يعربد على الورق الصحفي، يُنَظّر وينتقد، ويقدح، ويمدح، وكأن الأخ صانع الفكر الأول والأخير .. !! أقرأ بعض ما يكتبه أولئك وأشاهد بعض مقابلاتهم التلفزيونية وقد تحولوا إلى مشعوذين، ودراويش، يهزون الرؤوس .. يجادلون، ويسخرون، ويهزؤون، ويطرحون قضايا أعقد وأصعب من أن يخوض فيها عباقرة الفكر، فكيف بالأوباش، والبُله، ومرتزقة الكتب، وقصاصات الجرائد والصحف .. !!

ليس من حق أحد أن يحجر على كتابة الناس، فالكتابة حق للجميع ولا مانع أن يتفلسف من شاء، وأن يفكر كما يشاء، وأن يكتب كما يشاء .. ولكن المانع هو أن يتجاوز حدوده المعرفية، والفلسفية .. فينفش ريشه، ويحلق في سماء من الوهم الأجوف، فيحط من الفكر، أو من عمالقة الفكر في التاريخ، بمجرد أنه عرف أن التيار ضدهم .. فراح يزدريهم بذات منفوخة بالأنا والتعالي الأجوف، فتسمعه يكرر:"نحن نرى، وقلنا، وكتبنا، ورأينا، ونصحنا، إلى آخر ما ينتهي بنون وألف".

وهذا الفيلسوف، أو هذا المفكّر العملاق، أو الذي صنعه هذا الدهر"المُفنءدُ الخَبَل"كما يقول عمنا الأعشى كل حظه من العلم والمعرفة أنه قد قرأ موضوعًا أو موضوعين أو فصلًا أو فصلين أو حتى كتابًا أو كتابين ولخص أفكارها، وجمع بعض نقاطها، ودسها دسًا مشوهًا، في موضوع يخادعك بأنه شيء من الفلسفة، وهي -إن صح التعبير- فلسفة إنشائية وليست برهانية، أي انها لا تقوم على الدليل والحجة والبرهان لإثبات صحتها .. كما تجده ينثر بعض أسماء فلاسفة غربيين في ثنايا حديثه كي يبهر الناس بثقافته الوهمية هذه، وهذا ما يسمى بالانجليزية name dropping. إن هذا (المثقف) وأمثاله مهما انشأوا وأكثروا من الخرط حول الفلسفة فإنهم لن يكبروا ولن يكونوا فلاسفة مهما امتد بهم العمر .. لأنهم زبد وفقاقيع وطحالب ينطبق عليهم قول الشاعر زياد الأعجم:

وَهُمُ مِن العَمل الزّاكي بمنزلةٍ"="كَطحلبِ الماءِ لا أصلٌ ولا وَرَقُ

لاَ يكبَرون وإن طَالت حياتهُمُ"="ولو يَبولُ عليهم ثَعلبٌ غرقوا

وما أكثر الطحالب، وما أكثر الغارقين في أبوال الثعالب .. !

أما المفكرون العظماء فبعضهم كتب كتابًا واحدًا وهز الدنيا وغير مسارها الكوني، أما الثرثارون والمتنطعون والجماعون والحائرون، الخابطون في كل شيء، وفي الشيء واللاشيء، فكتاباتهم لا تذهب إلى الرؤوس فتبني فكرًا عظيمًا، وانما تذهب إلى البطون فتزيدها مغصًا وقرقرة ووجعًا، ولا يمكن أن تذهب إلى العقل لتزيده ثقة وايمانًا ..

أنا لا أتجنى على أحد، ولكني أعرف بعضهم، وجلست إليهم وسمعت فكرهم، وعرفت سلوكهم، وبعضهم أتابع تاريخه ونشأته الثقافية وعمله المهني، وأضحك منه وهو يتشدق حين تستمع إليه في بعض القنوات، وقد جحظت عيناه كعجل مخنوق!! ربما من شدة الوعي، وربما من شدة الوحي والإلهام الذي وقع عليه .. فهو بتعابير وجهه الجاحظية هذه يستنكر ويستنكف أن يناقش أو يجادل في رأيه .. !!

حينما يربط المفكر، أو من يدعي أنه مفكر، أو فيلسوف فلسفته بواقع سياسي، معين، فيجعل هذا الواقع السياسي الحالي نتيجة لتأثير فكر معين، ويحمل تبعة هذا الواقع على ذلك الفكر، وينسى أن السياسة اليوم تصنع وتدار في كواليس ووزارات الدفاع الغربية وتنفذها فلسفة القوة والمصلحة المؤقتة، وأنها تتغير وتتبدل وفقًا للمصلحة، والمنفعة فهو إنما يكشف عن عواره الفكري والفلسفي من ناحية، وورعه ولاهوتيته الغربية من ناحية أخرى ..

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت