ـ [الإمام الدهلوي] ــــــــ [15 - Jan-2009, صباحًا 12:11] ـ
الدين والوطن: حدود الإتفاق والإفتراق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله العزيز الحميد المبديء المعيد، ذي العرش المجيد، الفعال لما يريد، أحاط بكل شيء علمًا، وهو على كل شيء شهيد، والصلاة والسلام على محمد عبده ورسوله، أفضل من دعا إلى الإيمان والتوحيد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم من صالحي العبيد، أما بعد:
فقد شهدت أمتنا في القرن المنصرم ولا زالت جدلا واسعا حول العلاقة التي تربط الوطن بالدين، وهل هي علاقة توافق وانسجام؟ أم علاقة تضاد وخصام؟ فبعض الإسلاميين يصفون الوطن بكل قبيح، حتى أنهم جادلوا في العاطفة الغريزية التي جبل الله عليها خلقه في حبهم لأوطانهم، يستفزهم لذلك تعالي صوت دعاة النظرة الوطنية بتقديم الوطن على كل شيء حتى أصبح الشاعر النصراني بشارة الخوري إمامهم، إذ يقول:
بلادك قدمها على كل ملة ومن أجلها أفطر ومن أجلها صم
وقدس كل من يمجد الوطن، واعتبر من يقدم الدين عليه رجعيًا، بل خائنًا ومتآمرًا على الوطن مع الأعداء، شرقيين كانوا أو غربيين، وكأنها إعادة بطريقة جديدة للدعاية القديمة، باستخدام الوطن حجة في رد الحق، قال تعالى على لسان فرعون: (قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى) ، وكأن العيش في الوطن لا يستقيم مع الإيمان.
وردًا على ذلك نشأت عند بعض الإسلاميين نظرة احتقار لكل ما يمت إلى الوطن بصلة، وظهرت كتابات وألفاظ تنبز الوطن بالوثن، وتجعل كل من يدافع عن ارتباط الإنسان به منحرفا عن المنهج الإسلامي الصحيح، فما هي الحدود الصحيحة لاتفاق المصطلحين واختلافهما؟
يعرف الزركشي الوطن بقوله (شرح الزركشي1/ 279) : (هي القرية المبنية مما جرت العادة به من حجر أو قصب أو خشب) ، وقال الجرجاني (التعريفات1/ 327) : (الوطن الأصلي هو مولد الرجل والبلد الذي هو فيه) .
وينقل إسماعيل العجلوني (كشف الخفاء1/ 415) عن الأصمعي قوله: (سمعت أعرابيا يقول إذا أردت أن تعرف الرجل فانظر كيف تحننه إلى أوطانه وتشوقه إلى إخوانه وبكاؤه على ما مضى من زمانه) ، وقال ابن النجار البغدادي (ذيل تاريخ بغداد 16/ 207) : (سمعت أبا بكر محمد بن داود يقول من لم يشرب ماء الغربة،ولم يضع رأسه على ساعد الكربة، لم يعرف حق الوطن والتربة، ولم يعرف حق ذي العلم والشيبة) ، وينقل أحمد الغزي العامري (الجد الحثيث 1/ 85) عن الأصمعي حكمة هندية جميلة المعنى تقول (ثلاث خصال في ثلاثة أصناف من الحيوان:الإبل تحن إلى أوطانها، وإن كان عهدها بعيدا، والطير إلى وكره، وإن كان موضعه مجدبا، وإلانسان إلى وطنه، وإن كان غيره أكثر نفعا) .
ولولا ما يمثله الوطن عند الناس ما هدد بالإبعاد عنه المرسلون، قال تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أو لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأوحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ) ،وقال أيضا على لسان قوم لوط (قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ) ، وجعل الإخراج من الوطن أخا للقتل قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أو اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ) ، في البخاري عن أَنَس رضى الله عنه قال كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَأَبْصَرَ دَرَجَاتِ الْمَدِينَةِ أَوْضَعَ نَاقَتَهُ، وَإِنْ كَانَتْ دَابَّةً حَرَّكَهَا. وفي رواية أخرى؛ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَنَظَرَ إِلَى جُدُرَاتِ الْمَدِينَةِ أَوْضَعَ رَاحِلَتَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ، حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا. و (درجات المدينة) : يعني طرقها المرتفعة جمع درجة. و (أوضع) : أسرع السير. و (جدرات) جمع جدر وهو جمع جدار، و (حركها من حبها) : حثها على الإسراع لجهة المدينة والدخول إليها لكثرة حبه لها. قال الحافظ ابن حجر (فتح الباري 3/ 621) : (وفي الحديث دلالة على فضل المدينة وعلى مشروعية حب الوطن والحنين إليه) .
(يُتْبَعُ)