فهرس الكتاب

الصفحة 17283 من 28557

الأمّة المقاتلة

ـ [عزالدين بن حسين القوطالي] ــــــــ [29 - Apr-2009, مساء 12:54] ـ

عزالدين بن حسين القوطالي

تونس

يفرض القتال عادة في ظروف القهر والظلم والإستبداد والإستعباد حينما تعجز الكلمة وتتوقف لغة الحوار وتصمّ الآذان الصاغية الى منطق التفاهم والتسوية المبنية على تحقيق التوازن في مصالح الأفراد والشعوب والأمم وعندئذ تندلع شرارة الدفاع والمدافعة من طرف الشعوب المظطهدة المسلوبة الحرية وتشتعل نار الإنتقام والترهيب من طرف قوى البغي والظلم والعدوان سعيا من أجل إخماد فورة البركان في مهدها ووأد أية محاولة للمقاومة في منطلقها وكتم أي نفس ثوري إنقلابي يهدف الى رفع الظلم وإحلال قيم الحق والعدل والحرية.

فالقتال والحالة تلك هو نتيجة طبيعية ومنطقية وحتمية لإنعدام أي سبيل لحل المشكلات العالقة والمستعصية لا سيما إذا كان الأمر يتعلق بما هو أساسي وجوهري في وجود الأمة وبقائها وستمرارها ضمن معادلة الكينونة والوجود التي تقوم بالأساس على مقولة: إمّا أن نكون أو لا نكون مطلقا لأن كينونتنا ضمان لبقائنا وإستمراريتنا تلك المعادلة الشكسبيرية التي جعلت من معركة الوجود الإنساني معركة مصير أو لنقل معركة حياة أو موت كما هو بالضبط حال أمتنا العربية في هذه المرحلة التاريخية العصيبة والحاسمة حيث تتكالب عليها الذئاب وتنهشها الكلاب السائبة وتتصارع حولها قوى البغي والعدوان مجسدة في الثالوث الإمبريالي - الصهيوني - الفارسي.

ولقد مرّ زمن على الأمة العربية وهي تمني النفس بتحقيق أهدافها ومطامحها وإنجاز وحدتها والتوصل الى حريتها بدون قتال أو صراع أو منازلة وكأنها كانت تنتظر تحقيق معجزة أو حصول هبة إلاهية ربانية تغنيها عن النضال والتضحية في سبيل تحقيق أهدافها القومية المشروعة؛ وقد نسيت أن طريق الوحدة والحرية والإشتراكية وعرة شائكة ملغومة تصطدم في مختلف منعطفاتها وسبلها بمخططات التفتيت والتقسيم والتجزئة المحاكة بإمتياز وتخطيط وإتقان من طرف قوى لا ترغب في نهضة هذه الأمة وإحتلالها لموقع في المجتمع الإنساني الحر والمتقدّم.

فنضال الأمة العربية في أعين الذين يوجّه ضدهم من إمبرياليين وصهاينة وصفويين ورجعيين يعتبر خطّا أحمرا وناقوس خطر ينذر بعواقب وخيمة ويعتبر في قاموسهم ومفرداتهم ولغتهم عاملا من عوامل الهدم لن مجرّد التفكير في النضال والمقاومة والنهوض الحضاري والإنبعاث القومي هو بمثابة إلغاء للدور القذر الذي تلعبه تلك القوى من أجل الحفاظ على الوضع القائم وضع الإنبطاح والإنحطاط والتخلف والضعف والخنوع ولذلك فإن نضال الأمة وثورتها ووثبتها يعدّ في النهاية كشف دراماتيكي لعورة الظلم والإستعباد والإستغلال الذي يمارس ضدها وكما يقول الأستاذ أحمد ميشيل عفلق رحمه الله فإن: (( مجرد ظهور العمل الصحيح يهدم أعمالهم الفاسدة ومجرد إنتهاج السبيل القويم يبدو تحديا لإعوجاج سيرهم ومجرّد إرتفاع البناء الجديد يحجب النور عن أبنيتهم الهرمة ويحد من المكان الذي كانت تستأثر به ... ) )-1 - .

فكلّما سعت الأمة العربية وجماهيرها المناضلة الى النهوض والتقدم والتحرر الإجتماعي والإقتصادي والسياسي والثقافي والتقني والحضاري العام كلّما إشتدت القبضة الإمبريالية والهجمة الإستعمارية وإرتفعت وتيرة الإضطهاد والإستعباد وتنامت الرغبة الجامحة في الإستغلال والسيطرة والإستحواذ إستباقا لأية محاولة جدية للخروج من بوتقة الإنحطاط والتخلف ولقد عاشت الأمة العربية عبر تاريخها الحديث من المآسي والآلام والتضحيات والمؤامرات والدسائس ما يغني عن أي تفسير أو تذكير بداية من تجربة النهضة الأولى على يد محمد علي باشا مرورا بالتجربة الناصرية وصولا الى تجربة حزب البعث العربي الإشتراكي في العراق وكلها محاولات للإنبعاث الحضاري والنهوض القومي الرامي الى إحتلال موقع ملائم لحجم آلام ولآمال الأمة العربية ومن ورائها شعوب العالم التواقة الى الحرية والتقدم وكلّ تلك المحاولات إصطدمت في البداية والنهاية بمخططات القوى الإمبريالية والإستعمارية الواقفة بالمرصاد لحركة الثورة العربية وطموحها في إنجاز المهام القومية والإنسانية الخلاقة والأهداف الأخلاقية والقيمية والحضارية المبدعة. ولهذا فإننا لا نبالغ حينما نقول إن التاريخ: (( لم يشهد أن تعرضت

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت