فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [أبو طيبة] ــــــــ [29 - Dec-2010, صباحًا 12:43] ـ
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره،
ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا؛
من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد: لما رأيت كثرة اللهج بالمنهج في هذا العصر، واختلاف الناس في بيان حقيقته، استعنت بالله - عز وجل - أن أكتب هذا المقال المبهج في بيان الحقيقة الشرعية للمنهج، ومعلوم أن التحقيق حمل اللفظ على الحقيقة الشرعية، ثم العرفية، ثم اللغوية، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أما المنهج في اللغة فكما قال أبو منصور الأزهري في"تهذيب اللغة"في مادة نهج (6/ 62 - 63) : «قال الليث: طريقٌ نَهْج، وطُرُقٌ نَهْجة، وقد نَهَج الأمرُ وأَنهَج، لغتان: إذا وضح، ومِنهَج الطريق: وَضَحه، والمِنهاج: الطّريق الواضح. وقال ابن بُزُرج: اسْتَنْهج الطريقُ: صار نهْجًا، ويقال: نهجتُ لكَ الطريقَ وأَنهجْتُه، فهو مَنْهُوج ومُنهَج، وهو نَهْج، ومُنهَج» .
وقال - رحمه الله - في مادة شرع (1/ 424 - 425) : «قال الله جلّ وعزّ: ? لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ? [المائدة: 48] ، وقال في موضع آخر: ? ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأمر فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أهواء الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ? [الجَاثيَة: 18] ، وقال: ? شَرَعَ لَكُم مِّنَ الِدِينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا ? [الشّورى: 13] ؛ قال أبو إسحاق في قوله: ? شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ? [المَائدة: 48] قال بعضهم: الشِّرعة في الدين، والمنهاجُ: الطَّريق، وقيل: الشِّرعة والمنهاج جميعًا: الطَّريق. والطَّريق ها هنا: الدِّين، ولكنَّ اللفظَ إذا اختَلف أُتي به بألفاظٍ تؤكد بها القصَّة والأمر، كما قال عنترة:
أقوَى وأقفَرَ بعد أمِّ الهيثَمِ
فمعنى أقوى وأقفَرَ واحد يدلُّ على الخَلْوة، إلاّ أنّ اللَّفظين أوكدُ في الخَلْوة. قال: وقال محمد بن يزيد: شِرعةً معناها ابتداء الطريق. والمنهاج: الطريق المستمرّ.
وقال الفرّاء في قوله: ? ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأمر ? [الجَاثيَة: 18] ، قال: على دينٍ ومِلّة ومنهاج، وكلُّ ذلك يقال. وقال القتيبيّ: ? على شريعة ?: على مِثال ومذْهب، ومنه يقال: شَرَع فلان في كذا وكذا، أي أخذَ فيه. ومنه مَشارع الماء، وهي الفُرَض التي تَشرع فيها الواردة.
وقوله جلّ وعزّ: ? شَرَعَ لَكُم مِّنَ الِدِينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ? [الشّورى: 13] ؛ قال ابن الأعرابيّ - فيما روى عنه أبو العباس-: شَرَع أي أظهَرَ، وقال في قوله: ? شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ الله ? [الشّورى: 21] قال: أظهروا لهم. قال: والشارع: الرَّبَّانيّ، وهو العالم العامل المعلِّم. قال: وشرعَ فلانٌ إذا أظهرَ الحقَّ وقَمَعَ الباطل.
وقال ابن السكيت: الشَّرْع: مصدر شَرَعتُ الإهابَ، إذا شققتَ ما بين الرِّجلين وسلختَه. قال: وهم في الأمر شَرَعٌ، أي سواء.
قلت: فمعنى شَرَعَ بيَّنَ وأوضَحَ، مأخوذ من شُرِع الإهابُ، إذا شُقَّ ولم يُزقَّقْ ولم يُرجَّلْ. وهذه ضروبٌ من السَّلخ معروفة، أوسعُها وأبيَنها الشرع.
وقيل في قوله: ? شَرَعَ لَكُم مِّنَ الِدِينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا ? [الشّورى: 13] : إنّ نُوحًا أوّلُ من أتى بِتحريم البنات والأخوات والأمَّهات. وقوله جلّ وعزّ: ? والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وموسى ? [الشّورى: 13] : أي وشرع لكم ما أوحينا إليك وما وصَّينا به الأنبياء قبلك. والشِّرعة والشريعة في كلام العرب: المَشْرعة التي يشرعُها الناس فيشربون منها ويستَقُون، وربَّما شرَّعوها دوابَّهم حتى تشرعَها وتَشربَ منها. والعربُ لا تُسمِّيها شريعةً حتّى يكون الماء عِدًّا لا انقطاعَ له، ويكونَ ظاهرًا مَعِينًا لا يُستَقى منه بالرِّشاء. وإذا كان من ماء السماء والأمطار فهو الكَرَع، وقد أكرعوه إبلَهم فكرعتْ فيه، وقد سقَوها بالكَرَع».
(يُتْبَعُ)