فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [حمزة الكتاني] ــــــــ [19 - Apr-2008, صباحًا 06:33] ـ
الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم وبارك على النبي المبعوث رحمة للعالمين، بشريعة حق، ودين حق، يشمل العادات والمعاملات، والآداب والأخلاق، ويضمن السعادة للعالم، وتتكفل مرونته التي ميزه الله تعالى بها للتكيف في كل زمان ومكان، ووقت وأوان، ليبقى خالدا مادامت الملوان، وعلى آله وصحبه.
تمهيد
وبعد؛ فإن من مقتضى"لا إله إلا الله محمد رسول الله"الحكم بما أنزل الله تعالى في مختلف مجالات الحياة، وتطبيق شرعه جل وعلا في مختلف شؤون العيش؛ من تراتيب إدارية، ونظم اجتماعية، وقضاء وحكم، وسياسة داخلية وخارجية، وقد قال الحق جل وعز: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} . [النساء/65] .
وقال سبحانه من قائل: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون. أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} . [المائدة/ 49 - 50] .
وقد بقي الحكم الإسلامي مطبقا منذ هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى وقت قريب، غير أنه شهد طغيانا أحيانا، وإهمالا أحيانا أخرى من قبل الدول التي تعاقبت على العالم الإسلامي.
ونشأت عن الفقه الإسلامي، خاصة فيما يتعلق بقوانين المعاملات وأنظمة الحكم، أعمال مهمة تعد بالملايين مما تفتقت عنه أذهان العلماء فيما يسمى بالسياسة الشرعية، مثلت المرجع الأول لجل القوانين المعاصرة، بما فيها الخاصة والعامة.
ونظرا لمساس الدين بأغلى مقدسات الشعوب، وتعلقه بأبسط أمور الحياة، فإن الشعوب الإسلامية تكيفت معه على مر العصور والأيام، لتصاغ في بوتقة منسجمة متكيفة من المفاهيم والعادات والتلاحم والتجانس، جعلت منها أمة واحدة من المحيط الهادي للمحيط الأطلسي، يربطها رابط واحد هو: رابط الدين، في شكله السياسي والاجتماعي، والأخلاقي، والثقافي ...
غير أن الانهيار العام للدول الإسلامية في القرنين الأخيرين تسبب عنه إبطال الحكم بما أنزل الله في جل المناطق الإسلامية، حتى ادعت شرذمة من العلمانيين والمنهزمين أمام الأفكار والحضارة الغربية، بأن الإسلام لم يعد صالحا لهذا الزمان كنظام حكم، وأنه دين صلح لزمن معين وهو حسن فيه، وانتهى ذلك الزمان بانتهاء أهله، أو أنه أخلاق ومباديء سامية لا علاقة لها بالسياسة وأنظمة الحكم.
وهذه الشبهة لا يشك من له مسكة من عقل أنها باطلة قولا واحدا، يردها - أولا - كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، الذين ملئا بالأحكام السياسية والتنظيمات الحكومية، وسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي أسس مباديء الحضارة، ومارس السياسة نظاما وتشريعا وتقنينا، وهو الذي أمرنا باتباعه في قوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} . [الحشر/ 7] ، حتى ألف حافظ الدنيا الشيخ عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني كتابه المفرد:"التراتيب الإدارية، والعمالات والصناعات والمتاجر والحالة العلمية، التي كانت على عهد تأسيس المدنية الإسلامية، في المدينة المنورة العلية". والذي قال في ديباجته:
"ومن عرف نهضة الإسلام وتعاليم النبي عليه السلام، وأمعن النظر في تلك النهضة؛ تحقق أن ليس هناك من أساليب التمدن ما لم يكن الإسلام في وقت ظهوره أصلا له وينبوعا. فمن تأمل ما بثه النبي صلى الله عليه وسلم من التعاليم وأنواع الإرشاد، وما حوى القرآن من آداب الاجتماع، وسن من طرق التعارف والتمازج، وما أودع الله غضون كلماته الجوهرية من أحكام الطبيعة وأسرار الوجود، وفرائد الكائنات، وما ضبط من الحقوق وسن من نظامات الحياة. وما تلته به السنة النبوية من تهذيب النفوس والأخلاق، والإرشاد للأخذ بالأحسن فالأحسن، وأحكمته من سنن الارتقاء والإخاء البشري، والتمتع بضروب الحرية ... علم أن التمدن الإسلامي في إبان ظهوره قامت معه تلك الأعمال لتأثير تلك التعاليم على قلوب سامعيها في ذلك الحين".
(يُتْبَعُ)