فهرس الكتاب

الصفحة 7061 من 28557

وقد كتب العلماء قديما وحديثا حول"السياسة الشرعية"، وكيفية إدارة الرعية، غير أن كتابات المعاصرين تشكل نهضة في البحث العلمي الشرعي، خاصة وأن كتاباتهم جاءت في مواجهة المد العلماني الذي ينفي صلاحية الحكم بما أنزل الله، من جهة، ومواكبة للتطور الهائل والمفاجيء للحضارة العالمية ومستجداتها من جهة أخرى.

فمنهم من كتب في النظرية العامة للشريعة الإسلامية، ومن كتب في النظام الإداري، ومن كتب في النظام الاقتصادي، ومن كتب في النظام الجنائي، وفي السياسة الخارجية، أو الداخلية، أو العلاقات الدولية ... كل حسب اختصاصه واعتنائه.

صراع الحكم بالشريعة في المغرب:

كان المغرب منذ تأسيسه على يد البضعة النبوية الإمام إدريس بن عبد الله الكامل عليهما السلام، يحكم بالشريعة الإسلامية، والفقه الإسلامي، لم تحد دولة من دوله عن ذلك، وإن كانت في عدلها وتطبيقها تشط أحيانا، وتنصف أخرى. وكانت غالبية المشاكل السياسية مثارها مدى تطبيق الحاكم لتلك الأحكام الشرعية أو انحرافه عنها.

فنتجت من أجل ذلك الاستقرار المرجعي، إضافة إلى التوحد في المذهب المالكي، منظومة ضخمة من كتب النوازل التي اعتنت بالمعاملات، ومن ضمنها: السياسة الشرعية بفروعها.

غير أن القرن المنصرم، الرابع عشر، شهد انعطافا خطيرا في التاريخ المغربي، وهو التهاون ثم العدول في مسألة الحكم بما أنزل الله، ابتدأت بوادرها من فترة السلطان المولى عبد العزيز (1311/ 1893 - 1326/ 1908) ، الذي تم خلعه من أجل ذلك، في ثورة هي الثورة الدينية الأولى في تاريخ المغرب الحديث، ثم المولى عبد الحفيظ (1326/ 1908 - 1330/ 1912) الذي وقع عقد الحماية فاتحا الباب للاستعمار الفرنسي للولوج بخيله ورَجِله البلاد.

نعم؛ كان من شروط عقد الحماية: أن تتكفل فرنسا بالإصلاحات الإدارية في البلاد، وأن لا علاقة لها بشؤون الدين والقضاء، وبالرغم من ذلك قامت ثورات طويلة ضد الاستعمار، وأن الرضا بحكم الكافر كفر، واستمر ذلك إلى نحو عقدين ونصف من الزمان 1354/ 1936.

وفي سنة 1350/ 1930 تدخلت فرنسا في نظام القضاء، وأرادت تطبيق العرف في المناطق البربرية، تحت ما يسمى"الظهير البربري"، فقامت ضجة كبرى في البلاد، وثورات"اللطيف"التي نتج عنها ما يسمى"الحركة الوطنية"، ويمكن اعتبار ذلك ثالث ثورة للدفاع عن الشريعة الإسلامية بالمغرب، بعد ثورة عام 1326/ 1907، وثورة دخول الاستعمار عام 1330/ 1912.

غير أن الأمور استمرت في الانحدار، خصوصا بعد تراجع ثقل العلماء في البلاد، وابتعادهم عن مراكز القرار، وتهاون كبرائهم في القيام برسالتهم التي أناطها بهم الحق تعالى في قوله: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} . [آل عمران/ 187] .

وقد تبنت الحركة الوطنية في المغرب اتجاها تحديثيا ما لبث أن اتجه نحو العلمانية شيئا فشيئا، إلى أن تنصل من الدين والدعوة للحكم بما أنزل الله كليا بعد استقلال البلاد عام 1376/ 1956.

والعجب كل العجب؛ أن جل الذين حملوا راية حرب فرنسا سياسيا، كانوا هم الدعاة لها فكريا وثقافيا وحضاريا، والذين هادنوها سياسيا كانوا هم المناوئين لها فكريا وثقافيا وحضاريا.

وفي سنة 1365/ 1946 أُعلن عن تعديلات في القوانين الشخصية، والدعوة الرسمية لسفور المرأة، فتبنت"الحركة الوطنية"تلك الأفكار، ودعت إليها، ونافحت لها، يتزعمها فكريا من العلماء الرسميين وزير العدلية محمد بن العربي العلوي، هو وجملة من المتفقهة الرسميين، في وقت لقيت معارضة شديدة من طائفة أخرى من العلماء والمصلحين، يتزعمهم الحافظ عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني، ما لبثت أن نتجت عنها ما سمي حينه بـ:"جبهة المعارضة"التي تطور موقفها إلى الدعوة والعمل على تغيير النظام السياسي، وتنصيب السلطان محمد بن عرفة العلوي بدلا من الملك محمد بن يوسف العلوي (محمد الخامس) ، تلك المعارضة التي انتهت بعزل الأخير ونفيه إلى مدغشقر عام 1372/ 1952، ليعود بعد ذلك بنحو أربع سنين محملا بوثيقة الاستقلال، وينسحب ابن عرفة منفيا إلى فرنسا، ويعتبر كل من سانده خائنا للوطن يستحق القتل أوالإبعاد ..

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت