فهرس الكتاب

الصفحة 906 من 28557

ـ [أبو عبد الرحمن اليمني] ــــــــ [27 - Mar-2007, مساء 02:59] ـ

فصل

[الملاحدة خمس طوائف في توحيد المعرفة والإثبات] والملاحدة في توحيد المعرفة والإثبات فرق كثيرة وأشياع متفرقة ولكن رءوسهم خمس طوائف:

الأولى سلبية محضا يثبتون إثباتا هو عين النفي ويصفون الباري تعالى بصفات العدم المحض الذي ليس هو بشئ البتة وليس له عندهم حقيقة غير أنهم يقولون هو موجود لا داخل العالم ولا خارجا عنه ولا مباينا له ولا محايثا وليس على العرش ولا غيره ولا يثبتون له ذاتا ولا اسما ولا صفة ولا فعلا بل ذلك عندهم هو عين الشرك وهذا هو الذي صرح به غلاة الجهمية وقد كان قدماؤهم يتحاشون عنه ويتسترون منه وكان السلف من أئمة الحديث يتفرسون فيهم ذلك وأنهم يبطنونه ولا يبوحون به وقد قدمنا عن جماعة من السلف قولهم في الجهمية إنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء إله يعبد ويقول بعضهم إنهم يزعمون أن إلهك الذي في السماء ليس بشئ ولكنه لم يصرح بذلك ويظهره إلا ابن سينا صاحب الإشارات تلميذ الفارابي وهو منسوب إلى أرسطو اليوناني وهو يرجع إلى مذهب الدهرية الطبائعية في المعنى وهو الذي نصره الملحد الكبير نصير الشرك الطواسي وأشباهه قبحهم الله تعالى.

الطبقة الثانية الحلولية الذين يزعمون أن معبودهم في كل مكان بذاته وينزهونه عن استوائه على عرشه وعلوه على خلقه ولم يصونوه عن أقبح الأماكن وأقذرها وهؤلاء هم قدماء الجهمية الذين تصدى للرد عليهم أئمة الحديث كأحمد بن حنبل وغيره ولهذا قال جهم بن صفوان لما ناظره السمنية في ربه وحار في ذلك ففكر وقدر فقتل كيف قدر فقال هو هذا الهواء الذي هو في كل مكان وكذلك كان يقول كثير من اتباعه ولم يكن ولا هم يريدون ذلك وإنما كانوا يتوسلون به إلى السلب المحض والتعطيل الصرف كما فهمه منهم أئمة الإسلام رحمهم الله كلما أفصحوا به من نفي أسماء الباري وصفاته ورؤيته في الدنيا والآخرة وأفعاله وحكمته وغير ذلك كما تقدم حكايته قريبا ورد شبهاتهم الداحضة.

الطائفة الثالثة الاتحادية وهم القائلون إن الوجود بأسره هو الحق وأن الكثرة وهم بل جميع الأضداد المتقابلة والأشياء المتعارضة الكل شيء واحد هو معبودهم في زعمهم وهم طائفة ابن عربي الطائي صاحب الفتوحات المكية وفصوص الحكم وغيرهما مما حرف فيه الكلم عن مواضعه وتلاعب فيه بمعاني الآيات واتى بكفر لا يشبه كفر اليهود الذين قالوا العزيز ابن الله ولا النصارى الذين قالوا المسيح ابن الله وقالوا هو الله وقالوا ثالث ثلاثة فإن النصارى وأشباههم خصوا الحلول والاتحاد بشخص معين وهؤلاء جعلوا الوجود بأسره على اختلاف أنواعه وتقابل أضداده مما لا يسوغ التلفظ بحكايته هو المعبود فلم يكفر هذا الكفر أحد من الناس وكان هذا المذهب الذي انتحله ابن عربي ونظمه ابن الفرض في تائيته (نظم السلوك) وأصل هذا المذهب الملعون انتحله ابن سبعين عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر بن محمد بن نصر بن محمد بن قطب الدين أبو محمد المقدسي الرقوطي نسبة إلى رقوطة بلدة قريبة من مرسية ولد سنة أربع عشرة وستمائة واشتغل بعلم الأوائل والفلسفة فتولد له الإلحاد من ذلك وصنف فيه وكان يعرف السيمياء ويلبس بذلك على الأغبياء من الأمراء والأغنياء ويزعم أنه حال من أحوال القوم وله من المصنفات كتاب البدو وكتاب الهوى وقد أقام بمكة واستحوذ على عقل صاحبها أبي نمى وجاور في بعض الأوقات بغار حراء يرتجي فيه الوحي أن ينزل عليه كما أتى النبي صلى الله عليه وسلم بناء على ما يعتقده من العقيدة الفاسدة من أن النبوة مكتسبة وأنها فيض يفيض على العقل إذا صفا فما حصل له إلا الخزي في الدنيا والآخرة إن كان مات على ذلك وكان إذا رأى الطائفين حول البيت يقول كأنهم الحمير حول المدار وأنهم لو طافوا به كان أفضل من طوافهم بالبيت فالله يحكم فيه وفي أمثاله وقد نقلت عنه عظائم من الأقوال والأفعال توفي يوم ثمانية وعشرين من شوال سنة تسع وستين وستمائة.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت