فهرس الكتاب

الصفحة 1564 من 28557

ـ [عبد الرحمن السديس] ــــــــ [14 - May-2007, مساء 07:35] ـ

الحمد لله، وبعد، فهذا مقال جيد أعجبني فأحببت نقله لمن لم يره.

شاع على ألسنة كثير من إخواننا المتدينين القول بأن الحقائق العلمية (ويعنون بذلك حقائق العلوم الطبيعية) حقائق متغيرة، فما يثبته العلم اليوم ينفيه غدًا، وما ينفيه اليوم يثبته غدًا. لذلك يجب أن لا يكون لها اعتبار في فهم الحقائق الدينية الواردة في الكتاب والسنة، وأن لا تستخدم دليلًا على الإعجاز العلمي.

لكن إطلاق القول بتغير الحقائق العلمية إطلاق غير صحيح، بل هو خطأ محض؛ وذلك لأن العلوم الطبيعية ـ كما هو معروف ـ منها ما هو حقائق جزئية تقوم عليها أدلة حسية أو عقلية قاطعة، ومنها ما هو حقائق جزئية، أو قوانين عامة تقوم عليها أدلة راجحة لا قاطعة، ومنها ما هو نظريات هي المعرَّضة للتغير، ولا سيما ما كان ذا دليل غير قوي.

فحقائق العلوم التجريبية كلها ـ الطبيعية أو الاجتماعية أو النفسية ـ التي شهد لها الحس أو العقل شهادة قاطعة هي حقائق شرعية. بل إن ما قام عليه منها دليل راجح وإن كان غير قاطع، هي مما يعد ـ بميزان شرعنا ـ علمًا يعمل به. فما دليلنا على ذلك؟

دليلنا أولًا أن الشرع قضى بأن كل الحقائق ـ دينية كانت أم دنيوية ـ إنما يكتسبها الإنسان بحسه وعقله. قال ـ تعالى ـ: (( واللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ والأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ) [النحل:78] .

فإذا كانت الحقائق إنما تكتسب بالحس والعقل، فمن البديهي أن يقال: إن كل ما شهد له الحس والعقل فهو حقيقة، وما لم يشهد له فليس بحقيقة. ولذلك فإن ربنا ـ سبحانه وتعالى ـ ذم الكفار المنكرين للحقائق المحسوسة ووبخهم. قال ـ تعالى ـ: (( ولَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذَا إلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ) ) [الأنعام: 7] .

ونحن نعلم أن أحاديث الآحاد تعتبر علمًا مع أن ثبوتها ليس قطعيًا كثبوت الأحاديث المتواترة. ومما استُدِلَّ به على أن الظن الراجح يعد علمًا قوله ـ تعالى ـ: (( يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإيمَانِهِنَّ فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الكُفَّارِ ) ) [الممتحنة: 10] .

وذلك لأن علم البشر علمًا مباشرًا بإيمان شخص لا يكون إلا ظنيًا. لكن الامتحان يرجح هذا الظن نفيًا أو إثباتًا، ولذلك يبنى عليه هذا الحكم المهم المذكور في الآية الكريمة.

ومعنى ذلك أننا نأخذ كما يأخذ غيرنا حتى بالنظريات العلمية إذا كان ثبوتها راجحًا ولم يكن قطعيًا ما دامت لا تتعارض مع نصوص شرعية قطعية.

قد يستغرب بعض القراء قولي بأن ما لم يشهد له الحس والعقل، أو قل: ما لم يأت عن طريق الحس والعقل فلا يعد علمًا، ويقولون: أين الوحي إذن؟ وأقول: إن سبب هذا الاعتراض هو خلط يقع فيه كثير من الناس، وقد نبَّهت عليه في كثير من كتاباتي وأحاديثي. الخلط هو عدم التفرقة بين وسائل اكتساب العلم، وهي الحس والعقل، ومصادر العلم، وهي الوحي والخلق؛ فالوحي مصدر للعلم؛ لكننا إنما نعرف أنه وحي بالحس والعقل، وإلا لم يكن لنا معيار نميز به بين النبي الصادق ومدعي النبوة، ولا بين ما هو كلام الله حقًا، وما هو من القول على الله ـ تعالى ـ بغير علم.

أعود إذن إلى قولي بأن حقائق العلوم التجريبية التي تقوم عليها أدلة قطعية ـ حسية كانت أم عقلية ـ هي حقائق ثابتة لا تتغير. تُرى: هل سيأتي يوم يقول فيه العلماء إنهم كانوا مخطئين في زعمهم بأن الأرض كروية، بعدما استطاعوا أن يروها كرة، وأن يصوروها لمن لم يرها؟ هل سيأتي عليهم زمان يكتشفون فيه أن الماء لا يتكون من الهايدروجين والأوكسجين كما يزعمون الآن؟ وهل يجوز لإنسان عاقل أن يكابر في وجود شيء بعدما رأى دليله الحسي؟ إن مثل هذه المكابرة أمر مذموم شرعًا كما أنه مذموم عقلًا، بل إن كل ما هو مذموم عقلًا فهو مذموم شرعًا.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت