فهرس الكتاب

الصفحة 1565 من 28557

إن إنكار الحقائق الحسية سواء منها ما يشاهده الشخص العادي، أو تثبته العلوم التجريبية ـ طبيعية كانت أم اجتماعية أم نفسية أم غير ذلك ـ هو هدم للشرع؛ لأنه هدم للبراهين الدالة على صحته، واللازمة للعمل به، والفارقة بينه وبين الدعاوى الباطلة.

إن كتاب الله ـ تعالى ـ مليء بتوجيه الناس إلى التفكر في خلقه، والاستدلال به على كثير من أصول الدين، كوجود الخالق ـ سبحانه ـ، ومعرفة صفاته، وبعثه لعباده، ومصير المكذبين لرسله.

(( إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الأَلْبَابِ(190) الَذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وقُعُودًا وعَلَى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ )) [آل عمران:190،191] .

ففي هاتين الآيتين الكريمتين ربط بين مظاهر طبيعية وبين الإيمان، وهو ربط لا يتسنى إلا لمن يشاهد هذه الظواهر ويوقن بوجودها، ثم يكون إنسانًا ذا عقل، وتفكُّر؛ فأولو الألباب هم الذين ينتقلون من المشاهدة إلى التفكر إلى الإيمان. وانظر إلى قوله ـ تعالى ـ: (( إنَّ اللَّهَ فَالِقُ الحَبِّ والنَّوَى يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ومُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ(95) فَالِقُ الإصْبَاحِ وجَعَلَ اللَّيلَ سَكَنًا والشَّمْسَ والْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ (96) وهُوَ الَذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ البَرِّ والْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) وَهُوَ الَذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) وهُوَ الَذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا ومِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ والزَّيْتُونَ والرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إلَى ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ ويَنْعِهِ إنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )) [الأنعام:95 - 99] .

في الآية الأولى من هذه الآيات الكريمة ربط بين حقائق طبيعية وبين الإيمان لا ينكره إلا المأفوكون. وفي الآية الثانية ربط بين حقائق طبيعية وبين صفتين من صفات الله ـ تعالى ـ. وفي الآيات الثالثة والرابعة والخامسة ربط بين حقائق طبيعية وبين العلم والفقه والإيمان؛ فلا يكون عالمًا ولا فقيهًا ولا مؤمنًا من ينكر هذه الحقائق بعد رؤيتها.

لا يقولن لي معترض بأننا إنما آمنا بهذه الحقائق الطبيعية؛ لأن الله ـ تعالى ـ قررها. كلاَّ! فإن العلم بها سابق للإيمان بالقرآن الكريم ومستقل عنه؛ فهو أمر مشترك بين المسلمين وغير المسلمين. والقرآن الكريم جعل علمنا هذا بها دليلًا على قدرته وحسن صفاته. فلو كان علمنا بها مبنيًا على تصديقنا بالقرآن لما صلحت دليلًا، ولكان في الكلام دور.

وأنت تجد في الآيات التالية مثل هذا الربط الذي ذكرناه بين الحقائق المشاهدة والبعث، وبينها وبين تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم: (( وهُوَ الَذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ المَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) ) [الأعراف:57] .

والحقائق الحسية لها تعلق آخر مهم بأصول الدين؛ وذلك من حيث كونها معيارًا للتفريق بين الصدق والكذب؛ لأن القول الصادق إنما هو الذي يوافق الواقع ولا يخالفه، فإذا كان الواقع المتحدَّث عنه واقعًا محسوسًا، وكان القول مخالفًا له علمنا أن القول كذب. هذه قاعدة بدهية يعرفها كل عاقل. ولذلك فعندما ألَّف الطبيب الفرنسي موريس بوكاي كتابه المشهور عن العلوم الطبيعية والتوراة والإنجيل والقرآن ذكر في مقدمته كلامًا فحواه أنه قال لنفسه: ما دام الله ـ تعالى ـ هو خالق الكون فلا يمكن أن يوحي إلى بشر بكلام يخالف الواقع الذي خلقه ويعلمه، ولذلك

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت