فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [أبو عُبيدة] ــــــــ [06 - Mar-2008, مساء 09:31] ـ
يحق لكل مسلم أن يشك في إسلامه حينما يسمع أنَّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان يخشى على نفسه النفاق ويسأل حذيفة: أستحلفك بالله هل عدني رسول الله من المنافقين؟
إنَّ النفاق يعني الاقتصار على إظهار الإسلام وعدم تمكينه باطنًا، فيشمل من أبطن الكفر قاصدًا، ومن لم يقصد إبطانه ممن هو مسلم لا إراديًا.
المسلم اللاإرادي هو ذلك الذي تلقى إسلامه من مجتمع الناس الذين حوله، ولم يتعمق في فهم الإسلام وأصوله، بل لو كان مولودًا عند يهود لكان يهوديًا، ولو ولد بين هندوس لأصبح هندوسيا، فالدين عنده موروث، وَجَد آباءه على أمة فقال: إني على آثارهم مقتدٍ.
إنَّ التعليم اللاإرادي واجب الحصول، لا يمكن لإنسان أن لا يتقبله أو أن لا يخضع له، إلا أن يعيش وحيدًا، ولكن الممكن و الواجب تمييز الدين بطريقة الدليل وليس بطريقة الفرض الاجتماعي.
والواجب أيضًا: أن لا يسلم المرء لذلك التعليم، بل يميزه بالآلة التي تكمن مسؤوليته فيها، عقله الذي سيُسأل عنه ولن يُسأل عن عقول الناس.
لقد كانت الرقابة الاجتماعية آفة خطيرة، وداء عضال، لا يكاد يسلم منها بشر، وهي عندما تتعلق بأمر الدين أكثر خطرًا، وأعظم ضررًا، بل وأخوف ما خافه نبي الإسلام، وخير الأنام، على صحبه الكرام، حينما قال لهم - صلوات ربي وسلامه عليه: (ألا أنبئكم بما هو أخوف عليكم من المسيح الدجال؟ الرياء) أو كما قال.
إنَّ عملية (الدين بالوراثة) عملية تذهب قيمة الدين، بل وتهدمه مع مرور الزمن، وهي عملية ثابتة الحدوث بالنصوص الشرعية، وأقوال سلف الأمة.
في ظلها يختلط أمر الدين بإحداث المحدثين، وشرك المشركين، وكفر الكافرين، فلا يزال الله يبعث على رأس كل مائة سنة للأمة من يجدد دينها، ولا يزال في كل خلف مَن يحمل العلم مِن عدوله، ينفون عنه تأويل المتأولين، وانتحال المبطلين، وتحريف الغالين.
فرقُ مابين التدين بالعقل والدليل، والتدين بالإرث والتأثير فرق السماء عن الأرض!
إنَّ مُسلمَ الدار (وهو المتدين بتأثير المجتمع) قد لا تنقصه حمية لدينه، ولا إخلاص لعقيدته، ولا استعداد لسفك دمه في سبيلها، ولكنه لا يعلم كيف كانت؟ ولا يدري كيف صحت؟ ولا يمتلك الدليل عليها، وليس مستعدًا للتخلي عن ما ثبت عنده مما ليس منها، فترى كثيرًا من المنتسبين للإسلام، لا يتركون بدعهم التي ورثوها على أنها من الدين وليست منه في شيء، ولا يسلمون لما يصح من الأدلة مما يعارض ما ألفوه، بل يعملون التأويل على أشده، ويشتغلون بالتحريف، ويختلط عندهم كلام الله ورسوله بكلام الأحبار والرهبان الذين اتخذوهم أربابًا من دون الله.
بخلاف مُسلم الاختيار (وهو الذي بنى إسلامه على الدليل والبرهان) فهو لا يألوا جهدًا في نكير البدعة، ولا يدخر قوة في حرب الزيادة و النقص في دين الله، بل ويفهم دينه وفق مراد الله، و يستلهم ذلك من عقله الذي وهبه الله له، ولا يرى لغير الله ورسوله عصمة، ولا يعطي لغيرهما تسليمًا وانقيادًا.
إنَّ الأول يجتمع فيه من سوء الخلق ما هو نتاج لعقيدته التي لا يدري كيف اعتقدها، والثاني حسن الأخلاق نتيجة العقيدة السليمة المبنية على التبصر، وكما قال الغزالي: (الأخلاق رشح المعارف)
وكما قال صلى الله عليه وسلم: (أربع من كانت فيه إحداهن كانت فيه خصلة من نفاق ومن كن فيه كان منافقًا خالصًا: إذا حدَّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا خاصم فجر وإذا عاهد غدر) أو كما قال.
لقد كانت عبادة التفكر - التي هي السبيل للاعتقاد الاختياري - من أجلِّ العبادات وأعظمها، ولقد كثر خطاب الله تعالى في القرآن المنادي بها بما يدل على أهميتها، تفكرٌ في الآيات الكونية ونظام العالم البديع، وعجائبه الكثيرة، و المخلوقات العظيمة، والجمال، والدقة، كل ذلك يدلك على أمرين: وجود الموجد لها، ويدلك على صفاته من:
القوة التي انتجت هذا الملكوت وحوته وسيطرت عليه وخضع لها، والقدرة الكاملة، والقيومية، و العلم، والإحاطة، و الحكمة، والعظمة، وكمال الخبرة .. الخ، و تفكرٌ في الآيات الشرعية: وهذا التفكر يفيدك الاستفادة من مقاصدها، ويعطيك اليقين بها مما تراه من جمالها و كمالها ما لا يُرى إلا بالتفكر!
قال ابن أبي العزّ في شرح العقيدة الطحاوية:
"وهذه حال كثير من الناس من الذين وُلدوا على الإسلام، يتّبع أحدهم أباه فيما كان عليه من اعتقاد ومذهب، وإن كان خطأ ليس هو فيه على بصيرة، بل هو من مسلمة الدار، لا مسلمة الاختيار، وهذا إذا قيل له في قبره: من ربك؟ قال: هاه هاه، لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته."
فليتأمل اللبيب هذا المحل، ولينصح لنفسه، وليقم لله، ولينظر من أي الفريقين هو، والله الموفق"ج/ 1 صـ: 379"
أقسم - غير حانث - أنه لا يكاد يسلم من هذا الخطر أحد منا، فمقل ومستكثر، وليس تشكيكًا في دينكم، إن هي إلا دعوة لتدبر الدين وتأمل العقيدة.
(يُتْبَعُ)