فهرس الكتاب

الصفحة 18940 من 28557

ـ [ماجد مسفر العتيبي] ــــــــ [07 - Jul-2009, صباحًا 09:41] ـ

محمد السيف

ذكر ابن جرير الطبري في تاريخه أن أرفخشذ بن سام بن نوح ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان له ولد اسمه"قينان". وأن هذا الولد لم يرد له ذكرٌ في التوراة ولا في شيء من الكتب المنزلة لأنه كان ساحرًا! بل إنه تجرأ وادعى الألوهية لنفسه!!

ويذكر بدر الدين العيني في كتابه عمدة القارئ أن أهل التواريخ إذا ذكروا سلسلة النسب بين إبراهيم و نوحٍ ـ عليهما السلام ـ أسقطوا منها ذكر"قينان"بن أرفخشذ، بسبب ما قيل عن اشتهاره بالسحر والدَّجل!

كان هذا في سالف الزمان وقديم الأوان، فقينان الأكبر كان ساحرًا صاحبَ دجل (حسب ما ينقله الطبري وغيره من أهل التواريخ) .

وأما قينان"الأصغر"، المعاصر الذي يأكل ويشرب بواسطة الكتابة بجريدة الوطن، فله صفة أخرى تختلف عن صفة قينان"الأكبر"ابن أرفخشذ.

قينان"الأصغر"له صفة تميز بها حتى صارت علمًا عليه. لكنه ـ ولشدة فرحه بهذه الصفة ـ لم ينتظر حتى يمضى زماننا، ويأتي المؤرخون من بعدنا ليذكروا صفة قينان"ألأصغر"كما ذكروا من قبلُ صفة الساحر قينان"الأكبر".

لم ينتظر"الأصغر"إلى ذلك الحين، لأنه ـ فيما يبدو ـ يخشى أن يعبث المؤرخون بسيرته، ويكتموا أهم صفاته ومزاياه، فأحب أن يؤرخ لنفسه بنفسه.

في عدد يوم الخميس قبل الماضي من جريدة الوطن كتب قينان"الأصغر"نقدًا لرجل الأعمال المعروف عبدالرحمن الجريسي، ومما قاله هناك:"حتى لا يظن الجريسي أو القراء أنني (( أستهبل ) (( لابد أن أوضح لهم أنني من فرط غبائي ) )وعدم قدرتي على التحليل والاستشراف لا أفهم هدف أيَّ شيء حتى أرى نتائجه أمامي". اهـ.

هذا ما قاله"الأصغر"عن نفسه بالنص، فالغباء المفرط هي الصفة التي تميز بها قينان، و التي حرص على تدوينها و تعريف القراء بها قبل فوات الأوان.

قينان يقول: أنا لا"أستهبل"لكن مشكلتي الغباء المفرط.

وتعلمون ـ أيها الأحبة ـ أن الغبي ليس بحاجة لأن يتكلف الغباء والهبل، لأن الله أغناه عن ذلك بما وهبه من غباء فطري، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والغباء ليس شرًا محضًا، ولو لم يكن من فوائده إلا تقدير الناس لظروف الأغبياء، وعدم مؤاخذتهم في كثير من يقولون ويفعلون.

من أول ما قرأت تعقيب"صاحب الغباء المفرط"على مقالة الشيخ سعد البريك، وأنا أتحاشى التعليق على كلامه، لأني لو كتبت فلن أستطيع منع نفسي من وصفه ـ صراحةً ـ بالغباء. وأنا أعلم أن ذلك الوصف لن يروق للكثير من الأفاضل أصحاب الأدب الرفيع الذين سيبادرون بالقول: (لا تشتم الرجل وناقش أفكاره) ، لكن ها هو قينان"الأصغر"يختصر علينا العناء، ويقرُّ بأن مشكلته الكبرى تكمن في محتويات الرأس المحمول فوق كتفيه.

بدأت القصة ـ كما تعلمون ـ حين كتب الشيخ سعد البريك مقالةً تناول فيها مصطلح"الدولة المدنية"، وذكر أن هذه اللفظة في الأصل يُعبَّر بها عن دولة لا تحتكم إلى دين، (حتى وإن كان البعض يستخدمها بحسن نية) .

والشيخ بكلامه هذا يشير لحقيقة قرَّرها الكثير من الباحثين في بيان أصل نشأة هذه اللفظة التي بدأ تداولها في حدود القرن السابع عشر الميلادي، عند احتدام النزاع في أوربا بين الكنيسة النصرانية والتيارات المناوئة لها. حيث حاول خصوم الكنسية التحرر من تسلطها عن طريق السعي إلى تأسيس دولة لا مدخل للدين في أنظمتها وقوانينها، وإنما تحتكم في شرائعها وقوانينها إلى عقد اجتماعي قائم على أساس المصلحة الدنيوية (المدنية) بعيدًا عن الخضوع لأي سلطة مقدسة بما في ذلك سلطة الدين.

حقيقة تاريخية معروفة كُتب فيها الكثير والكثير. والشيخ سعد البريك حين ذكر ذلك لم يخترع كلامًا من عند نفسه، وإنما أكَّد على ما شاع وعرف لدى الباحثين أهل المعرفة والاختصاص. لكن"قينان"ـ وبحكم ثقافته الواسعة، وغبائه المفرط ـ فوجئ بكلام الشيخ سعد، فكتب يقول متعجبًا مستنكرًا:"لم يسبق أن أحدًا قال أو فهم أو استنبط أن الدولة المدنية تناقض الإسلام وتتصادم معه، لا من المنظرين المتخصصين في بلادنا أو العالم، ولا من العوام التواقين إلى دولة مدنية تحت ظلال الشريعة المحمدية السمحة، لم يفهم أو يستنبط أن الدولة المدنية تتناقض مع الإسلام إلا"

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت