ـ [رجل من المسلمين] ــــــــ [23 - Aug-2008, مساء 05:49] ـ
عواقب سكوت علماء الدين من الضلال في الدين
بقلم الشيخ محمد البشير الإبراهيمي*
للقوة والسلطان أثر في الأبدان, وأثر في الأرواح؛ وأقوى الأثرين تأثيرًا وأظهرهما وسما، وأبقاهما على المدى، ما كان في الأرواح؛ لأن التسلط على الأبدان يأتي من طريق الرهبة، والرهبة عارض سريع الزوال؛ أما التسلط على الأرواح فبابه الرغبة، والدافع إليه الاقتناع والاختيار.
ولعلماء الإسلام سلطان على الأرواح، مستمد من روحانية الدين الإسلامي وسهولة مدخله إلى النفوس: تخضع له العامة عن طواعية ورغبة، خضوعا فطرياًّ لا تكلف فيه، لشعورها بأنهم المرجع في بيان الدين، وبأنهم لسانه المعبر حقاًّ عن حقائقه، والمبين لشرائعه، وبأنهم حُراسه المؤتمنون على بقائه، وبأنهم الورثة الحقيقيون لمقام النبوة؛ وكان العلماء يجمعون بين وظيفة التبيين في التعبديات، وبين وظيفة التقنين في المعاملات؛ أما الخلفاء فلم تكن وظيفتهم ـ في الحقيقة ـ إلا التنفيذ لما يراه العلماء من مصلحة في المعاملات الفردية أو الاجتماعية.
كان هذا السلطان ظاهرًا على أشده، متجليًا في سطوعه في صدرالإسلام يوم كان العلماء قوامين على الكتاب والسنة، جارين على صراطهما واقفين عند حدودهما، قائمين بفريضة الأمر بما عرفاه والنهي عما أنكراه، لا يهدون الأمة إلا بهديهما؛ فكان سلطانهم نافذًا حتى على الخلفاء، وألسنتهم مبسوطة بالنقد والتجريح لكل من زاغ عن صراط الدين كائنًا من كان؛ وكان رأيهم هو المرجع في مصالح الدين والدنيا؛ لا جرم كان خلفاء الدنيا من معاوية وهلم جرًا يعرفون لهم هذا السلطان الواسع، يتخذ منه الموفقون منهم عونًا على الخير والإصلاح فلا يقطعون دونهم رأيا ولا حكما؛ ولا يتبرم به المستبدون منهم، لأنهم يرون فيه سلطانًا على سلطانهم، فيأخذون في توهينه، تارة بالمصانعة المرائية والاستلاف المخادع، وتارة بالمنابذة المكشوفة والتجني المعاند.
بايع معاوية لابنه يزيد، وحمل الأمة على البيعة له بالترغيب والترهيب والمطاولة، فتم له ذلك؛ ولكنه كان يرى تلك البيعة كاللغو، ما لم يبايع العبادلة والحسن، لمكانتهم في العلم ومكانتهم من الأمة؛ فعمد إلى الحيلة المستظهرة بالسيف؛ وكذلك فعل بنو مروان كلما تخلف مثل سعيد بن المسيب عن البيعة؛ وكذلك فعل الخلفاء بعدهم في قضية البيعة أيام اشتداد سلطان العلماء وامتداده، حتى انتقل أمرها إلى طور آخر، وأصبحت في أيدي الأمراء والقواد والأجناد، وخرجتْ من يد الخلفاء والعلماء معا؛ وكأنما كان ذلك عقوبة من الله للخلفاء على تعاليهم، وللعلماء على تنازلهم؛ وما وقع في البيعة وقع في غيرها من مصالح الأمة التي يتنازعها السلطانان.
بقي العلماء ـ مع ذلك ـ ظاهرين على الحق، يتولون القيادة الحقيقية للأمة في غير ما يمس السلطان المادي الزائف، وكانوا أيقاظًا لكل حدث يحدث في الإسلام، وكانوا كلما رأوا شبحَ بدعة خفوا إلى إزالتها، وكلما أحسوا بضلالة ومنكر في الدين بادروا إلى تغييره بالفعل والقول: يُحسم لهم الاحتياط الصغائر فيعاملونها معاملة الكبائر؛ لا يتساهلون ولا يترخصون، سدًا لذرائع الفتنة والضلال؛ وكانوا يصدرون في أعمالهم وأحكامهم عن الكتاب والسنة، فيصدرون عن الدليل الذي لا يضل، ويستندون إلى الحجة التي لا تدحض، وكانت الأمة ترجع إليهم، فترجع إلى وحدة متماسكة في الدين لا تتفرق بها السبل، ولا تتشعب الآراء؛ إلى أن فتنتهم المذاهب والخلافات الجدلية في أصول الدين وفروعه، وغطت عليهم العصبيات المذهبية وجه الحق، فرأت منهم العامة غير ما كانت ترى من وحدة في الدين، عاصمة لوحدتها في الدنيا، ووحدة في العلم، عاصمة من تفرقها في المصالح؛ وجروها إلى ما هم فيه من خلاف، فجرتهم إلى ما هي فيه من فساد؛ وضعف لذلك سلطانهم عليها، فتوزع أمرَها أمراء السوء الظالمون، وقادة السوء الجاهلون، واجتمع هؤلاء على قصد واحد وهو استغلال العامة فاصطلحوا.
(يُتْبَعُ)