فهرس الكتاب

الصفحة 10462 من 28557

لم يزلْ أمراءُ السوء يكيدون للعلماء حتى زحزحوهم ـ مع تطاول الزمن ـ عن مكان القيادة الروحية للأمة، وصرفوهم عنها واستبدلوا بهم في استمالة الدهماء، والعامة قادة لبسوا لبوس الدين ليغروا باسمه، وزهدوا في العلم إذ ليسوا من أهله، واستمدوا قوتهم من قوة الأمراء؛ وتقارض الفريقان الشهادات بالتزكية والتراضي على المنافع والسكوت عن المنكر؛ هؤلاءُ يُضلونها، وهؤلاء يُذلونها، والإضلال في الدين وسيلة الإذلال في الدنيا؛ واستنامت الأمة على الهدهدة باسم الدين، وعلى الاغترار بما يزينون لها من الجهل، وما يقبحون لها من العلم, وما يقربون لها من طرق الجنة, وهم في ذلك كله لا يقربونها إلى الله إلا بما يبعدها عنه من بدع ومحدثات؛ والعلماء في هذه المرحلة غافلون يغطون في نومة أرْبت في الطول عن نومة أصحاب الكهف والرقيم، إلى أن فتحوا أعينهم على دين غير الدين، فشبهَ لهم؛ وأصبحوا تابعين، بعد أن كانوا متبوعين، وأصبحوا يُزكون بعملهم ذلك الجهل ويشهدون لأولئك القادة الجاهلين بالكمال والفضل؛ ولأولئك المبتدعين بما انتحلوه لأنفسهم من الولاية والكرامة، على المعنى الذي اخترعوه، لا على المعنى الذي جاء به الدين، ثم لم يكتفوا منهم بذلك حتى نحلوهم خصائص الألوهية. وشعر أولئك المبتدعة بتهور العلماء للمطامع الخسيسة، وسقوطهم على المطاعم الخبيثة، فقادوهم بزمامها؛ ثم شعروا بإقرارهم للمهانة والذل في نفوسهم، فأمعنوا في تحقيرهم وإغراء العامة بهم، وأهان العلماء أنفسهم، فسهل الهوان عليهم، فأصبحوا أذلّ من يعشون عالة عليهم، ويتساقطون على فتات موائدهم، ويتطوعون لهم حتى باخس شهواتهم، ويشهدون لهم الزور على الله ودينه، ويحلون لهم من اللذائذ ما حرم الله، وعلى هذه الحالة أدركنا عصرنا وأهل عصرنا. والشرب مشوب من قديم، ولكن آخر الدنّ دُرْدى.

?ولقد رأيت بعينيّ معًا منذ سنين في طريق مناره من تونس، عالمًا يُعدّ في الطبقة الممتازة في علماء جامع الزيتونة، يهوى بالتقبيل على يد مخرف مبتدع جاهل متعاظم، لو حُكمت لحكمتُ بأن يكون عبدًا لذلك العالم، فرأيت يومئذ كيف تُعبد الأصنام، وعلمتُ كيف يكون العالم سبةَ للعلم، وخطر ببالي قول المتنبي:

وقد هام قوم بأصنامهم ... فأما بزق رياح فلا

وسقط ذلك العالم من حسابي، فما ذكرته بخير حيا، ولا ترحمت عليه ميتًا، ولا عددت موته ـ كموت العلماء ـ ثلمة في الإسلام! ...

ما ظلم الله العلماء، ولكن ظلموا أنفسهم؛ ولم يشكروا نعمة العلم، فسلبهم الله ثمراته من العزة والسيادة، والإمامة والقيادة؛ وكان لخلو ميدان السلطة والأمر منهم أثر فاتك في عقائد المسلمين وأخلاقهم؛ وكان من نتائجه إلقاء الأمة بالمقادة إلى مًن يُضلّ ولا يهدي من المشعوذين الدجالين. فأضلوها عن سواء السبيل، ومكنوا فيها للداء الوبيل، وأعضلُ أنواعه الاستعمار، الذي وجد منهم مطايا ذُللا سماحًا إلى غاياته الخبيثة في الإسلام والمسلمين؛ ولو كان العلماء هم القادة، وكانوا أحياء الضمائر والمشاعر، وكانوا ـ كما كانوا شداد العزائم والإرادات، لوجد منهم الاستعمار في مشارق الإسلام ومغاربه حصونًا تصدّ، ومعاقل ترد.

أما والله ـ ألية المسلم البر, وسريرة الضمير الحر ـ لا ترجع هيبة العلماء إلى مستقرها من نفوس الأمة حتى يقوموا بعهد الله في بيان الحق، ويتظافروا على حرب البدع والضلالات التي لابست الإسلام، ولبست عقائده ففسدت، وآدابه فكسدت، ولبستْ على المسلمين دينهم فأصبحتْ حقائقه في واد، وعقولهم في واد، وحتى يَجلوا على الأمة تلك الكنوز الدفينة في كتاب الله كتاب الإنسانية العليا، وفي سيرة محمد دستور الحق والخير والكمال؛ وإن ذلك في صميمه هو ما تقوم به جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، في دعوتها وعملها الإصلاحيين؛ وإنها لا تفتأ جاهدة في الإصلاح الديني حتى تؤدي أمانة الله منه، وتبلغُ الغاية من إقراره في النفوس، وتمكينه في الأفئدة؛ وقد بلغت دعوتها للمقصورات في خدورهن، وللرُّحل في قفارهم، وللبداة في بواديهم، وللحضر في نواديهم، حتى أصبحتْ آثارها بادية في العقول والأفكار والإرادات وقد رجع للقرآن بعض نفوذه وسلطانه، وحجته وبرهانه، وللسنة النبوية مكانها علمًا وعملا، وللعلماء المصلحين قوتهم في التوجيه، ومكانتهم في التدبير، وقدرتهم على القيادة.

وإن هذه النتيجة لدعوة جمعية العلماء لمعجزة ادخرها الله لهذا القطر الجزائري، فلا يوجد قطر من أقطار الإسلام تأثر أهله بالفكرة الإصلاحية الدينية كما تأثر مسلمو الجزائر، ولا يوجد في علماء الإسلام جماعة قاموا بهذه الدعوة الجريئة، متساندين مجتمعين، يَجمعهم نظام وانسجام، كما قام رجال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، على كثرة اللدَد في الخصم وفرة اللجاج في المعارض؛ وكم وددنا لإخواننا علماء الأقطار الإسلامية، لو قاموا بمثل ما قمنا به من تطهير عقائد المسلمين وتوجيههم التوجيه الصحيح النافع في الدين والحياة، والرجوع بهم ـ في صراحة وجرأة ـ إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم، وإنقاذهم بذلك من عصبيات المذاهب والطرق التي فرقت شملهم، ومصائب التفرق والخلاف التي أذهبت ريحهم؛ ومع أن إخواننا علماء الإسلام يَملكون ما لا نملك من وسائل الاجتماع، وأسباب القوة ـ فإن جهودهم في الإصلاح الديني لم تزل فردية محدودة، وخطواتهم في السير به لم تزل بطئية متثاقلة.

أما والله ـ لو أنهم اجتمعوا وتذامروا, وشنوها ـ كما شنناها غارة شعواء على البدع والضلالات التي مهدت للانحلال وفساد الأخلاق بين المسلمين, ومكنت للضعف والخور في نفوسهم, وللوهن والفشل في عزائمهم, وللزيغ والاعوجاج في فطرتهم, وللرثاثة والنكث في روابطهم، ثم صيرتهم ـ لذلك ـ حمى مستباحًا، ونهبًا مقسمًا ـ لو فعلوا ذلك لأعادوا للإسلام قوته وكماله، ونضرته وجماله، وللمسلمين مكانهم في البشر ومكانتهم في التاريخ.

ــــــــــــ

* نشرت في العدد 36 من جريدة البصائر سنة 1948 (المصدر: كتاب عيون البصائر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت