ـ [عبد الوهاب آل غظيف] ــــــــ [31 - May-2010, مساء 10:27] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
بقلم: عبد الوهاب بن عبد الله آل غظيف - الرياض
استهجان التزلف، وازدراء المتزلفين، في فطرة الناس؛ لا يعدو أن يكون ثمرة من ثمار إدراك العقل البشري لأصول الأخلاق السيئة، الإدراك الذي جعل الطباع السليمة تنفر منها، نظرًا لما تنطوي عليه من تشويه للتصورات، وحرف للسلوكيات.
والتزلف مركب وضيع، لا يكاد يركبه من يحترم نفسه، بل لا يدفع المرء لركوبه إلا علة تصيبه، فينقلب معها وقد آمن بأنه ناقص!
والتزلف داء وبيل، على المتزلف ومن يتزلف إليه وعلى المجتمع الحاضن للمتزلفين، فإن المتزلف يضطر لمقارفة ما يخرم دينه ومروءته، من اصطناع الوجوه، والكذب، والوشاية، وغير ذلك من الدنايا، والمتزلف إليه: لا يزال مغشوشًا ومكذوبًا عليه ما طوقه المتزلفون، ولا يزال بوجودهم محجوبًا عن أهل الصدق والرأي والنصح وما فيه النجاة من كل داهمة.
وجناية المتزلف على المجتمع تجمع ذلك كله، وتزيد عليه ما يفرزه كذب المتزلفين من صناعة وعي منحرف، أو تغييب حقيقة، أو ظلم بريء، أو تبرئة ظالم، إذ تقوم صناعة التزلف في الغالب: على إحقاق الباطل، وإبطال الحق.
ذلك ما أقدمه بين يدي ومضة خطرت ببالي وأنا أقف على ما افتعله بعض المتزلفين، من استعداء سياسي وتحريض على المحتسبين، وعلى واحد من الشيوخ الذين بعث الله بهم هذه الفريضة المهمة، المنجاة من غرق السفينة، وصمام الأمان للمجتمع الإسلامي.
في خطوتهم الأولى: راح المتزلفون من أصحاب المناصب الشرعية يشذون عن الشرع بآراء لا دليل عليها، يظنون أنها تجري مع هوى ولي الأمر، وتبعًا لعلاقة التنافر التي تربط التزلف بالصدق: هاجموا الصادقين من إخوانهم العلماء والدعاة وحرضوا عليهم، وسلكوا في سبيل هذا الهجوم تصوير ما هم عليه من صدق وحسبة وديانة، بصورة المناكفة لولي الأمر و التشغيب عليه، غير آبهين بما يعود به صنيعهم هذا على الموقف الشرعي وعلى المجتمع والدولة من أخطار، وغير ملتفتين إلا إلى مصالحهم الذاتية، ومواقفهم الأنانية.
ولنتأمل جنايتهم على مفهوم الحسبة بصنيعهم هذا:
فإنها في الإسلام كالشمس في كبد السماء، وقد رتب الشرع لها أحكامها الحافظة لمصالح الناس في دينهم ودنياهم، فكانت سلطة لولي الأمر بها يردع من لم يجد له واعظًا من نفسه، ولم يكن له من ماء وجهه ما يجعل في سلطة المجتمع له زاجرًا، وكانت سلطة للمجتمع، بها يتواصى أهله على الحق وعلى الصبر، بما لا يدفع لفوضى ولا منكر أكبر وبما لا يدخل فيما هو من اختصاص ولي الأمر، وقد أُصل هذا المفهوم الإسلامي في آيات وأحاديث وآثار كثيرة، بما يجعله من بدهيات الإسلام وأساسياته، ويجعل أي محاولة لتغييبه أو حرفه عن حقيقته محض عبث و تلاعب.
والحسبة بضربها الثاني الذي هو حق مشروع للناس، من أبعد ما تكون عن المتزلفين، غير أنهم يجدون فيها بغيتهم إذ يظهرونها لولي الأمر وكأنها قفز على صلاحيته، طارقين جادة تحريف المفهوم إذ يقصرونها على ما هو من ولاية ولي الأمر فقط، ومن ثم: يكون المحتسب بقلمه ولسانه، عرضة لوشايتهم و استعدائهم.
وهم بهذا الصنيع يقفون بالمجتمع على شفا جرف هار:
فإنهم يؤدون بولي الأمر إلى مجابهة المحتسبين وعداوتهم، حينما يقتنع بقولهم، ويخرمون بذلك نظام الدولة الإسلامية المستوعب لاحتساب أفراد المجتمع بما لا يلزم منه خروج ولا تشغيب، ولا يعود بضرر على جماعة المسلمين، وتصير الحسبة في الواقع العملي جريمة يعاقب عليها القانون، بينا هي في الأصول الشرعية من الوضوح والتأكد بما أسلفنا، فيصير المحتسب والحال هذه مأطورًا على مخالفة نظامية مختلقة، مضطرًا إلى تشغيب مفتعل ما كان أغنى المسلمين عنه!
وبين ركام التزلف: تغيب حقيقة الاحتساب الشرعي الذي هو من حق كل مسلم، بما يتوافق مع وحدة الجماعة، وما يندرج تحت طاعة ولي الأمر.
خاتمة:
إن أهل العلم والدعوة والاحتساب في هذه البلاد، وعلى رأسهم الشيخ يوسف الأحمد وفقه الله، لا يزايد أحد من الناس كائن من كان على وطنيتهم وصدقهم وإخلاصهم - نحسبهم والله حسيبهم - وتحريهم لما فيه الخير والصلاح لهذا الوطن، وموقفهم الحازم الرافض لممارسات التكفير والتفجير التي تلحق الضرر والشر بهذا الوطن وأهله، وما احتسابهم في وجه الليبراليين والمجترئين على حرمات الله عز وجل إلا ثمرة من ثمار موقفهم الصادق المطرد، فإن هذا الانسلاخ عن الدين الذي يزرعه أعداؤه في تربة المجتمع لا مبرر له ولا بديل إلا إضفاء هالة من الإعجاب بالغرب الكافر ونظمه في الاجتماع والفكر والسياسة، والنظر إليه بعين القدوة في شتى المجالات، وما يتبع ذلك من ضياع الهوية، وثورة على أنظمة الأمة الشرعية والسياسية والاجتماعية، وما يزرعه هذا التغريب في وعي الناس من تقبل للتغيير إذا جاء على ظهر بوارج الغرب ودباباته، وهي ذات النتيجة التي يريد الإرهابيون إلحاقها بالوطن وأهله ونظامه.