فهرس الكتاب

الصفحة 12807 من 28557

ـ [مغترب] ــــــــ [02 - Dec-2008, مساء 11:38] ـ

بسم الله الرحمن الرحم

هذه اقتباسات من محاضرة بعنوان"الاستخلاف في الأرض"للعلامة محمد الحسن الددو حفظه الله. أتمنى أن تجدوا فيها ما يفيدكم.

الاستخلاف في الأرض

أما بعد فإن الله سبحانه وتعالى هو الحكيم الخبير {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} ، وقد شاء بحكمته البالغة أن يخلق الأرض والسماء وأن يجعلهما في البداية رتقا، ثم بعد ذلك فصلهما كما قال تعالى: {أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون} ، ومن حكمته أنه حين خلق الأرض خلق لها سكانا وجعلها مسرحا للصراع بين الحق والباطل، فخلق آدم وجعله خليفته في الأرض، فخلقه من تراب ليكون مرتبطا بالتراب، وهذا الارتباط في الجنس البشري كله كما قال الله تعالى: {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} ، وخلقه بيمينه ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وقد أخبر الملائكة باستخلافه له في الأرض فقال: {إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون} .

وهذا الاستخلاف هو تشريف لهذا الجنس البشري وتكريم له، فقد كرم الله هذا الجنس بأنواع التكريم، ولذلك قال الله تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير مِن مَن خلقنا تفضيلا} .

والاستخلاف في الأرض معناه أن كل ما في الأرض وهبه الله لهذا الجنس البشري، واستخلفه فيه ولذلك قال الله تعالى: {خلق لكم ما في الأرض جميعا} ، وقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية قال: إما انتفاعا وإما اعتبارا وإما اختبارا.

• فالانتفاع ما ينتفع به البشر مما في الأرض من المآكل والمشارب والملابس والمساكن وكل ما فيه نفع لهم، كالأدوية وغيرها.

• والاعتبار ما لا نفع فيه ولا ضرر مما في الأرض، فما يراه الناس مما لا نفع فيه لهم ولا ضرر عليهم من عجائب خلق الله حكمة خلقه هي الاعتبار فهو تغذية للقلوب وذكرى، والقلوب تحتاج إلى التغذية دائما وتغذيتها إنما هي بتذكيرها بالله سبحانه وتعالى ودعوتها إليه، وذلك حاجة ضرورية للإنسان فهو محتاج إلى الذكرى والموعظة، ولذلك خلق الله أنواعا من أنواع الخلائق ليس فيها نفع مادي للإنسان وإنما نفعها معنوي وهو ما يرى فيها من العبر والمواعظ، فيحفر الإنسان في الأرض أمتارا فيرى دودا فيتعجب من أين يأتيه رزقه ومن أين يصل إليه الأكسجين ومن أين تصل إليه الصحة ولماذا خلق فيكون ذلك عبرة للمعتبرين وموعظة للمتعظين وقد قال الله تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين} .

• وكذلك القسم الثالث ما خلقه الله للإنسان اختبارا أي امتحانا وابتلاء، وذلك مثل ما في الأرض مما فيه ضرر على الإنسان كالسموم والهوام والسباع وغيرها مما لا نفع فيه وضرره متمحض فخلقه الله اختبارا للإنسان وابتلاء له، ومن ذلك إبليس عليه لعنة الله وحزبه وجنوده، فهؤلاء إنما خلقوا ابتلاء واختبارا للناس، ويمتحن الله سبحانه وتعالى الناس بطريق الحق وبطريق الضلال، فمن اختار طريق الحق ووفق له نجح في الامتحان، ومن اختار طريق الضلال وخذل حتى سلكه رسب في الامتحان، وقد قال الله تعالى: {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا} ، فكل ذلك امتحان منه جل جلاله لعباده كما قال تعالى: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون} .

"وهذا الاستخلاف يقتضي أن الإنسان خلق لحكمتين: إحداهما مختصة به وهي هذا الاستخلاف، فهي لهذا الجنس البشري وحده، لا يشركه فيها شيء من الخلائق، والحكمة الثانية مشتركة بين الإنس والجن وهي تحقيق العبادة لله، كما قال الله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أني يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} . فهذا الإنسان إذن مخلوق لهاتين الحكمتين للاستخلاف في الأرض ولتحقيق عبادة الله."

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت