فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وهاتان الحكمتان متكاملتان فيما بينهما، فلذلك كانت أنواع التكليف منقسمة إلى قسمين: إلى تكليف عيني وتكليف كفائي، فالتكليف العيني يطلب من كل إنسان القيام به فهو داخل في تحقيق العبادة لله في الأرض، وأما التكليف الكفائي فلا يطلب أن يقوم به كل إنسان بل إذا حصل من بعضهم كفى عن غيره، وذلك أنه من تحقيق الاستخلاف في الأرض، فإنقاذ الغريق ورد الظلم ونحوه كل ذلك من فروض الكفايات التي هي من الاستخلاف في الأرض.""
"والاستخلاف يقتضي من الإنسان أن يمشي في مناكب الأرض وأن يسعى لاستخراج ما فيها من المنافع وأن يحرص على نفع الناس بها فإنه استخلف فيما في الأرض وأمر بأن ينفق منه في سبيل الله، كما قال الله تعالى: {آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} ، فتمكين الإنسان في الأرض وتذليل كل ما فيها له هو من باب الاستخلاف وهو مجرد وكالة وعرية وليس ملكا، فالإنسان ليس مالكا لنفسه ولا لشيء مما تحت يده لأنه سيعزل عنه لا محالة وعزله إما بموته وإما بإجاحة ماله وإما بالحجر عليه أو سجنه أو نحو ذلك. وكل ذلك محتمل، فلذلك يحتاج الإنسان إلى معرفة أن ما تحت يده ليس ملكا له، وإنما يتصرف فيه تصرف الوكيل ينتظر العزل في كل حين، ولذلك قال: (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) ، فالإنسان طيلة حياته يعمر الأرض ويجمع متاع الدنيا، فإذا مات فرق ورثته ما جمعه وبدؤوا يجمعون من جديد، فإذا مات أولئك أيضا فرق ورثتهم ما جمعوا وهكذا."
وكل ما في الأرض من أنواع الأرزاق كان فيها عند خلقها فقد خلق في الأيام الأربعة الأول من خلق العالم، كما قال الله تعالى: {قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين} . قدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين فكل ما في الأرض من الأرزاق قد كان خلق في ذلك الوقت، والناس يستغلونه مدة حياتهم ثم يتركونه لمن وراءهم ولا يصطحبون منه شيئا إلى قبورهم بل يتركونه كما قال الله تعالى: {وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم} ، حتى ملابس الإنسان الخاصة ومفاتيحه وأسراره ووثائقه وما تحويه صناديقه يبقى عرضة لتحكم غيره ممن كان يكتمه عنه عند انتقاله هو إلى الدار الآخرة.
فإذا عرف الإنسان ذلك عرف أنه موظف وأن عليه أن يقوم بالوظيفة على أحسن صورة وإلا فسيعزل ويولى من هو خير منه كما قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} ، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} .
ومن هنا فلا بد أن يترك الإنسان بصماته في الأرض قبل موته، وأن يترك فيها آثارا حميدة فعمر الإنسان الحقيقي هو ما يخلفه وراءه من الآثار وما يتركه على ألسنة الناس من الثناء:
وإنما المرء حديث بعده فكن حديثا حسنا لمن وعى
فيحتاج الإنسان إلى أن يكون له أثر في هذه الحياة، فالذي يولد ميلادا طبيعيا ويعيش حياة طبيعية ويموت موتا طبيعيا ولا يترك أثرا في الحياة الدنيا ينساه الناس، ولن يبقى له أثر في هذه الحياة، ولن يحقق المهمة التي من أجلها أهبط إلى الأرض.""
(يُتْبَعُ)