فهرس الكتاب

الصفحة 8512 من 28557

ـ [آل عامر] ــــــــ [06 - Jun-2008, مساء 02:13] ـ

لقد عبر سلامة موسى عن رغبته في شفاء أمته المصرية من مرض التشرق - أي محبة الشرق والعرب والانضواء تحت رايته - واعتبر ذلك مرضًا مزمنًا يحتاج إلى علاج، ونسي أن الاعتزاز بالذات عصامية وعافية وقوة، وأن أعراض المرض تبدو عندما يفقد الإنسان ثقته بنفسه وأمته ويدعوها إلى تقمص شخصية أخرى. هذا هو مرض"الابتلاء بالتغرب"مثله مثل الوباء، أو لعله أقرب إلى الهرم والشيخوخة، وقد يكون أشبه بالعفونة التي تصيب القمح عندما يبدو القشر سليمًا والتسوس في القلب.

واعتبر سلامة موسى التعصب للعرب هو الداء الذي علينا أن نحاربه لكي نتمكن من التغرب، وهو بالفعل مخلص لسادته في تبني هذه الرؤية، لأن الغرب أدرك ولقن تلاميذه أن التعصب هو الجدار الواقي الذي يجب أن يهدم، وهو الحصن الحصين الذي يقف في وجه نفوذه ودخوله إلى المجتمعات الإسلامية، والتعصب هو البرج الفولاذي الذي يحرس مجتمعاته، وما دام هذا البرج قائمًا فسوف يظل الغرب خارج بوابات الشرق.

وطالب كل من سلامة موسى وطه حسين أن يُصبَغ التعليم بالصبغة الغربية، ويُسلك به الطريقة الأوربية، فالتعليم الغربي هو طريق التغريب كما يشير المستشرق جب""هذا هو السبيل الوحيد الذي لا سبيل غيره"".

لقد أدرك الشاعر الإسلامي أكبر الإله آبادي 1846 - 1921م خطورة هذه الخطوة في مسخ ذات الأمة والقضاء على شخصيتها وجعلها تابعة ذليلة فقال:""إن أهل الشرق يقضون على العدو بشدخ رأسه، ولكن الغربي يغير طبيعته وقلبه""وقال:""يالبلادة فرعون الذي لم يصل تفكيره إلى تأسيس الكليات، وقد كان ذلك أسهل طريق لقتل الأولاد، ولو فعل ذلك لم يلحقه العار وسوء الأحدوثة في التاريخ"".

ويعبر إقبال عن خطورة التبعية في التعليم:""إياك أن تكون آمنًا من العلم الذي تدرسه، فإنه يستطيع أن يقتل روح أمة بأسرها"".

""إن التعليم هو الحامض الذي يذيب شخصية الكائن الحي، ثم يُكوِّنها كما يشاء، إن هذا الحامض هو أشد قوة وتأثيرًا من أي مادة كيميائية، هو الذي يستطيع أن يحول جبلًا شامخًا إلى كوم تراب""""ونظام التعليم الغربي إنما هو مؤامرة على الدين والخلق والمروءة"".

والغريب أن المتغربين الذين يريدون الاندماج في الغرب من أجل خلاص الأمة من أزماتها لم يدركوا أن تقمص الأمة لذات حضارية أخرى لا يحل المشكلة بل يزيدها ويولد مشكلة جديدة تتمثل في الضياع أو الانفصام الحضاري مما قد يهدد الوجود ذاته.

ولو أدرك هؤلاء لعلموا أن أزمتنا تتمثل في انعدام الاعتماد على الذات أصلًا، وشيوع التواكل بين أفراد النخبة، وفساد القادة واستبداد الحكام وعدم تبصرهم بمصالح الأمة، بل عدم التفكير فيها حاضرًا فضلًا عن المستقبل، مما جعل الهوة واسعة جدًا بيننا وبين الغرب الذي صنع الآلة، وسد حاجته منها وبدأ يبحث عن مستهلك، فوجدنا مهيئين تمامًا لنكون سوقًا له، وما دمنا نعتمد عليه في ذلك فسوف نظل متغربين""ومن الطريف أننا إذا صنعنا الآلة فسوف نصير مرضى بمرض الآلة تمامًا كالغرب الذي يرتفع صوته وصراخه من التكنولوجيا والآلة"".

ولكن من الذي قال إنهم لم يدركوا، إن التغرب يحقق لهم القيادة والنخبوية، وهذا يقتضي منهم أن يتنازلوا عن ذواتهم ويذوبوا في غيرهم، ويتنازلوا عن هوياتهم وتاريخهم وكل مقومات إنسانيتهم، ويأخذوا مقابل ذلك المال، ولكن العدو أذكى من أن يعطيهم المال، إنه يعود فيسترده منهم ببضائعه ومنتجاته التي سلبت عقولهم، وأعمت عيونهم.

لقد كان الغساسنة والمناذرة متشبهين مقلدين للروم والفرس في كل شيء في لباسهم وفي قصورهم وعاداتهم، ومع ذلك لم يبنوا حضارة لأن التشبه نوع من المسخ ولا يشكل حضارة، الحضارة بناها أناس ظلوا محافظين على بداوتهم وعاداتهم، ولم يحتاجوا أن يلبسوا القبعة، ولا أن يرقصوا على الطريقة الغربية، ومع ذلك صنعوا الحضارة وصدروها للناس.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت