فهرس الكتاب

الصفحة 25403 من 28557

ـ [أبوالطيب الروبي] ــــــــ [29 - May-2010, صباحًا 11:22] ـ

جاء في أحاديثِ أشراط الساعة: أنَّ الله تعالى يختبر عبادَه في آخر الزمان بفِتنة عظيمة، هي الدجَّال الذي يَدَّعي الأُلوهية، ويكون معه مثلُ الجنة والنار، ومِن ذلك ما أخرجه الإمام مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( ألاَ أُخبِرُكم عن الدجَّال حديثًا ما حَدَّثه نبيٌّ قومَه، إنه أعور، وإنه يَجيء معه مِثلُ الجنة والنار، فالتي يقول: إنَّها الجنة، هي النار، وإني أَنذرتُكم به، كما أنذر به نوحٌ قومَه ) ).

وعلى هذا فالذي يدخل جَنَّةَ الدجال الوهمية، فإنَّه يدخل نار الآخرة، ومَن لم تخدعه نارُه التي معه، فإنَّه ينجو من نارِ الآخرة ويدخل الجنة.

أذْكَرني هذا الأمرُ بحال الليبراليِّين في هذا الزمان، فإنهم يَدْعُون إلى جنة وهميَّة يخدعون بها الناسَ، ثم يكون مصير مَن دخل جَنَّتهم أن يُحرم من جنة الآخرة، ويُعذَّب في نار جهنم، وبئس المصير.

فإنَّ الليبراليين يرفعون شِعارًا برَّاقًا مغريًا كشِعار الدجال يفتتن به فئامٌ مِن الناس وفئام، إنَّه شعار الحريَّة، حرية الإنسان وتقديسها، وجعْلها غايةَ الغايات، ومحورَ الحياة والتشريعات والأهداف.

فعندهم أنَّ الحريَّةَ في جميع مظاهرها هي أثمنُ ما يملك الإنسان، وهي أجَلُّ ما ينبغي له أن يحافظَ عليه، وتقدير اللائق من غير اللائق، والجائز مِن غير الجائز مِن هذه الحريَّة مَردُّه إلى عقل الإنسان، وما يُملي عليه ضميرُه هو.

إنهم يقولون للإنسان: أنت إلهُ نفسك، فعقلُك وضميرُك هو مِقياس الحقِّ والباطل في هذه الأرْض، فما رآه عقلُك وضميرك خيرًا فهو خير، وما لا فلا، وأنت أيُّها الإنسان العظيم الممجَّد لا ينبغي لك أن تخضعَ في وزن تصرُّفاتك وتقييمها لأيِّ سلطة كائنة مَن كانتْ، مجتمعيةً أو دِينية؛ فإنَّ هذا يؤدِّي إلى إلْغاء إرادتك، والحَجْر على عقلك وتفكيرك، والإنسان رشيدٌ عاقِل مفكر، فينبغي له أن يختارَ بنفسه ما ينبغي فعْلُه، وما ينبغي ترْكُه، المهم ألاَّ تؤدِّي حريتَك فيما تختار إلى المساس بحريَّة الآخرين، فإنَّه حيث تبتدأ حرية الآخرين فحينئذٍ تنتهي حريتك.

ويستمع الناس - وخصوصًا الشباب - إلى هذه الأقاويل، ويرَوْن أنَّ مِن حقهم أن يكونوا أحرارًا في تصرُّفاتهم، وما يأتون وما يذرون، وأنَّه متى ما قِيل للرجل: لا تشربْ المسْكِر فإنَّه حرام، كان هذا تدخلًا في خصوصيته، وتطفلًا عليه، واستعبادًا لكرامته!

ومتى ما قيل للمرأة: لا تتبرَّجي، كان هذا حجرًا على إرادتها، ووَأْدًا لحريتها! ومتى ما أُمِر أصحاب المحلاَّت بإغلاق متاجرِهم وقتَ الصلاة، كان هذا استرقاقًا لهم، ونكاية بآدميتهم!

ويومًا فيومًا تنتشر الدعاية لجَنَّة الليبراليين هذه، ويتمنَّى من كان خارجَها أن يدخل فيها، ومَن كان فيها ألاَّ يخرج منها، فأنت حرٌّ حرٌّ، لا يحاسبك أحدٌ إلا إذا أسأتَ للآخرين، أما إذا أسأتَ إلى نفسك، أو إلى ربِّك، فهذا شأنك الخاص، ليس لأحد أن يتطفَّل عليك فيه!!

فيَنطلق الشابُّ - مثلًا - يُواقِع فاحشةَ الزنا، ويُدْمن شُرْب الخمر، وهو يرى أنَّه إنسان صالِح، فإنه وإن زنَى وشرِب الخمر، لكنَّه لم يغتصبْ، بل كانتْ شريكتُه غيرَ ممانعة، بل راغبة في ذلك، وأنهما كانَا يقضيان وقتًا جميلًا! فقط استمتع بحياته، وأعْطى جسدَه من اللذَّات ما يحتاجه.

وتفعل الشابَّة نفس الشيء، فتنزع حِجابَها الذي ترى فيه أَسْرًا لحريتها، وسجنًا لأنوثتها، وتلبس أنيقَ الملابس، وتتجمَّل في أبهى زِينة، وتخرج تنتظر مَن يغازلها، ويُثني على جمالها وأناقتها، تخرُج كاسيةً عارية ترتاد النوادي والمسارح والشواطئ، وتعيش حياةَ الحفلات والسهرات، وتقول: إنَّ قلبها أبيض، وضميرها طاهر!!

ويأكل الرجلُ الرِّبا أضعافًا مضاعَفة، ويرى أنَّه على خيرٍ؛ لأنَّه لم يسرقْ ولم يقتلْ، ولم يتاجرْ في المخدرات، لم تؤدِّ حريتُه إلى إيذاء الآخرين، فلِمَ يؤنِّب نفسه، وينكد حياته؟!

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت