فهرس الكتاب

الصفحة 25404 من 28557

أراد الليبراليون أن يجعلوا مِن الدنيا جَنَّةً يتمتَّعون فيها بالشهوات والملذات قبلَ جَنَّة الآخرة الحقيقية، يقولون: لماذا أعطانا الله الحياة؟ ألِنَحرِمَ أنفسنا من اللذات والشهوات، ونحيط حياتنا بسياجٍ حديدي من المحرَّمات والمحظورات؟! ألِنَبْقى دائمًا نفكر في الموت، وفي عذاب النار، وحيات جهنم، فتملتئ قلوبُنا رهبةً، وتسيل أعيننا بالدموع؟!

أَإِذا نظرت إلى وجه مليحة كان حرامًا؟! أَإِذا شربت كأسًا من الخمر، أو سيجارةً من البانجو كان حرامًا؟! أإِذا قضيتُ سهرة في مرقص كان حرامًا؟! أإذا عالجتِ المرأة شعرَها، وزَيَّنت وجهها بأبْهى زِينة - عند خروجها من بيتها - ولَبِستْ قصيرًا أو ضيقًا يبرز محاسنَ جسدها، ويزيد في جمالها كان حرامًا؟! أإِذا ذهب الإنسانُ إلى السينما حيث الفنُّ والإبداع؛ ليرى فيلمًا، كان حرامًا لمجرَّد أنَّ في بعض مشاهده تبادلًا للقُبُلات، أو ظهورَ بعض النساء عاريات؟!

أفي الذَّهابِ للمسرح لسماع حفْلة موسيقية إثمٌ وخطيئة؟!

أكلُّ اللذَّات والمسرَّات حرام؟!

فكيف نعيش الحياة إذًا؟!

ويعيش الشبابُ والشابات، والكبار والصغار، حياةَ الحرية التي دعا إليها الليبراليُّون، الحياة الجميلة اللذيذة، حياة الغِناء والموسيقا والأفلام، والسهرات والحفلات، والأماني والأحلام، طارحِين عنهم التفكيرَ في الآخرة وهمومِها، قد أراحوا أنفسَهم من الانشغال بمسألة الحلال والحرام.

وفي خضمِّ هذه الحياة المفعمة باللذَّات والشهوات تحتَ سِتار الحريَّة، تحلو الدنيا في أعين الناس، حتى لكأنَّها الجنة، وكأنَّها لا نهايةَ لها لجمالها وبهجتها، وكأنَّ الإنسان فيها مُخلَّد لن يموت.

لكن بينما الإنسانُ كذلك يعيش هذه الجَنَّة التي صنَعها الليبراليون والعلمانيُّون إذا به يهجم عليه الموت بغتةً، بلا سابق إِذْن، ولا قديم إنذار، وربما وقع هذا - بل كثيرًا ما يقع - لشباب في زهرة أعمارهم، وفَوْرة شبابهم، فإذا الإنسانُ قد خرج من الدنيا وحيدًا فريدًا، وإذا به يدخُلُ القبر المظلِم وحدَه، لا يدخل معه جُموعُ الليبراليين التي تكتب في الصُّحف، وتظهر في القنوات تأمُر بالمنكر وتنهى عن المعروف.

ثم إنَّه قد انكشَف له الغطاءُ، فإذا الأمر خلاف ما كان يزعُمه الدجَّالون الليبراليُّون جملةً وتفصيلًا، وإذا الحياة الدنيا ما هي إلا جسْر موصل للآخرة، وليستْ متبوأً للنهل مِن الشهوات واللذات، بل لا يُؤخذ من تلك الشهوات إلا ما أباحه الشَّرْع للاستعانة به على الوصولِ للدار الآخرة.

انكشف الغطاءُ، فإذا الإنسان ليس حرًّا كما ادَّعى الليبراليون، بل هو عبدٌ لخالقه كان عليه أن يُطيعَه فيما أمَر، ويُصدِّقه فيما أخْبر، وها هو ذا موقوفٌ بيْن يدي ربِّه ليس بينه وبينه ترجمان؛ ليسأله عن شَرْعه الذي أنزله: لِمَ لمْ يتبعه؟ وعن أوامره التي أمر بها: لِمَ لمْ يعمل بها؟ وعن نواهيه التي نَهَى عنه: لِمَ اقترفها، وبأيِّ برهان واقعها؟

انكشف الغِطاء، فإذا الزِّنا والتبرُّج، والرقص والمجون، وما شابهها من الشهوات، آثامٌ يُحاسَب العبد عليها، وليست حريةً شخصية - كما قال الليبراليون.

انكشَف الغطاء، فإذا ما كان يُسمِّيه الليبراليون تزمُّتًا وتشددًا، ورجعيةً وقشورًا، بان أنَّه من دِين الله الذي شرَعه، ويحاسب عليه، وإذا ما كان يُسمِّيه الليبراليون تنويرًا وحداثةً، بانَ أنه إضلالٌ وسخافة، وآثام تُسخِط الربَّ، وتقطع الطريق إليه.

انكشف الغطاء، فإذا اللهُ قد أعطانا هذه الحياةَ لنعبدَه، ونحياها على منهجه وشِرْعته، لا لنعبد أهواءَنا، ونعيش على منهجِ الليبراليِّين.

انكشف الغطاء، فإذا هناك جَنَّة أبديَّة، ونعيم سَرْمديّ، به كلُّ اللذات والشهوات التي ترَكها المؤمنون في الدنيا؛ طاعةً لربهم حتى لا تقطعهم عن لذَّات الآخرة ومُتعها.

انكشف الغطاء، فإذا هناك نارٌ وجحيم، وسلاسل وأغلال - تلك التي كان يَسْخَر بها الليبراليون، ويَرْونها فَبْرَكةً من الإسلاميين؛ ليسيطروا على عقول الناس - أُعِدَّت لمن كان يعيش في جَنَّة الليبراليين ناسيًا لربه، غافلًا عن الدار الآخرة، متبعًا لهواه وشهواته تحتَ شِعار الحريَّة الشخصية!

انكشف الغطاء، فظَهَر للعالَمين أنَّ الليبراليين كانوا تجَّارَ شعارات، يُسمُّون الأمور بغير مسمياتها؛ لتنقلبَ حقائقها في أعين البلهاء، فهُم الذين سمَّوا الانحلال حداثةً، والإلحادَ تمدُّنًا وتنويرًا، والشرعَ المنزل رجعيةً وظلامًا.

انكشف الغطاء، فظَهَر للخَلْق أجمعين أنَّ جنة العلمانيين والليبراليين ما هي إلا خدعةٌ خدعوا بها الناسَ، كما سيخدع بها الدجَّالُ أتباعَه.

من مقالاتي بالألوكة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت