ـ [محمد عبد المجيد] ــــــــ [08 - Mar-2008, صباحًا 03:30] ـ
ماجد رسلان
مجلة الرائد عدد129 صفر 1411هـ-أغسطس 1990م.
حرصًا على سلامة الدعوة والداعية،وحفاظًا على التصورات السليمة أن تُثلم،وصونًا لإرث السابقين أن يبيد .. لابد من مكاشفة ومصارحة وتذكير وذكرى بين كل فينة وأخرى.
والذكرى موجهةُ لكل الأحبة المؤمنين في حقل الدعوة إلي الله،سواء أكانوا قادة مربين أم غير ذلك،فالله لم يحدد هُويّة المُذكَّر ولا هوية المُذكَّرين حين قال جل وعلا: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} (الذاريات:55) .
وأهم قضية تشغل العقل والقلب والروح هي:
ما هيّة العلاقة بين أجيال الدعوة السابقين واللاحقين كافة،أي: ما بين المربّي والمتربي، أو بين الأستاذ وتلميذه، أو بين القائد والجندي.
وكما يقال:"لكل زمان دولة ورجال"!!
لكن الملامح لكليهما لا تتحدد إلا من خلال الظروف المتغيرة والتطورات المتلاحقة ومن خلال زخم الإمكانات والخبرات،وتلاحم الطاقات وتلاقي الإبداعات ... ومع ذلك يبقى للسابق فضل السبق بوجوده الزمني،واقتحامه مجاهل الحياة لاكتشاف سننها وفضّ ألغازها .. على هدى مقتضيات الخلافة الراشدة {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} (الجمعة:4) .
وصحيح أن اللاحق ربما يبدع ويطوّر بعض وسائل الحياة،بل ربما تصل بعض قفزاته التغييرية حدًا إعجازيًا قياسًا بما كان عليه السابق، لكن لا يستطيع أحد منصف للحق نكرانَ فضل السابق بما وضعه من بذور الخير التي نمت مع الزمن وأصبحت بفضل اللاحق -بل ربما بفضلهما معًا-دوحة غنّاء يستظل بها الجميع على حد سواء.
وبعيدًا عن السفسطات والمُماحكات الجدلية .. فإن العلاقة ما بين المربي ومن يربيه لا يستطيع أحد عنده نَصَفَةُ من عدل أن يغفل ما للأول من فضل السبق بالوجود الزمني،واكتشاف طريق الدعوة اللاحب، واستخلاص العبر،واقتناص الخبرات وتأثيلها [1] ،والحصول على التجارب القيّمة وتأصيلها، والقيام بمسح للإمكانات ودراسة للطاقات على كل المستويات .. وهذه المحصلة -التي ما نمت إلا على عرق ودموع، وجهود مضنيات -حملها للثاني زادًا سائغًا وريًّا عذبًا ليتابع بهمة متوقدة وعثاء الطريق الذي حُفت جنباته بالمكاره من الغرائب والمجاهيل .. فلولاه لما كان له أن يتعرف على الأفكار والمبادئ والقيم .. ويتذوقها ويستشعرها لو ظلت حبيسة خلف سياج التجريد والوصف الكلامي .. لكن بفضله ومن خلاله رآها قد انتفضت حيّةً ناطقة بأحلى بيان وأعذب كلام!!
ونود أن نتنبه إلى تميز العلاقة ما بين المربي القدوة والمتربي،عن العلاقة ما بين الثاني ووالديه، حيث نرى في أكثر الأحايين أن ليس كل أب ينظر إلى ابنه بمنظار الدين والدنيا، أو بمنظار الروح والمادة، أو بمنظار العقل للقلب!! بل على الغالب -وفي معظم الأنحاء والأحوال-نرى أن الأهل لا يهتمون بتحصيل أولادهم للعلم والمعرفة، والفكر والثقافة .. إلا للحصول على الشهادة والمنصب والجاه ليصيبوا حظًا من زهرة دنيا،ونُتفًا من فتنتها .. دون أي أعتبار لتدين رشيد،أو خلق متين، أو سلوك نظيف .. !! بينما نرى العلاقة بين المربي وتلميذه متميزة وأصيلة ومتكاملة مع سنة الدين والدنيا يحرص فيها الأول للثاني أن يحصَّل كل ما يتمناه له أهله وأكثر مع تحليه بأخلاق فاضلة،وسلوكيات شريفة .. أرفع منازل الأُحدوثة الحسنة عند الله والناس!! فهو دائم الرعاية له،والعنابة به على مختلف الأحوال والظروف،مشغول بتربيته الفكرية،ومنهمك بتربيته الروحية والنفسية،ومتابع لنموه العلمي وحياته المادية .. ومع مرور الزمن تتوثق العلاقة بينهما وتسمو وتغدو أقدس وأنبل وأصدق علاقة بين عبدين صالحين دانا بإسلام القلب والوجه لله رب العالمين،فالمربي دائم التمني أن تكتحل عيناه برؤية تلميذه -بل قلت إن شئت بولده -وقد سبقه وتجاوزه في شتى مجالات الدين والدنيا بدرجات ودرجات،وإن حصل المأمول وتحققت الأماني فهو فخور نشوان حيث شاهد جهوده وأعماله أصبحت دانية القطوف والعطاء .. وكله رجاء أن يتقبل الله صنيعه هذا بقبول حسن فهو لا يبتغي من أحد جزاءً ولا شكورا .. هذا ما تحمله أحاسيس المربي وهمومه.
(يُتْبَعُ)