فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فما هو المفترض أن تكون أحاسيس ومشاعر ومواقف التلميذ تجاه أستاذه ومربيه على المستوى الأدبي والأخلاقي بُلٌهُ على المستوى العقدي الإيماني؟!
هل يتذكر للماضي ويَكُعُّ لشهوات النفس الخفية،لأنه أصبح لملء العين مشارًا إليه بالبنان،والأحاديث عنه جارية على كل لسان؟!
أم هل ينسى أنه كان منذ وقت قريب يحبو ويكبو ويتعثر .. فيرى يدًا حانية تمسح جراحه،وتسدد خطاه،ويرى نفسهًا كريمة تنفخ فيه روح الثبات والمثابرة وتبعث فيه المل من جديد حيث تفتح له كُوَّة ضياء وسط ضباب ودخان؟!
أم هل ينسى الماضي لمجرد أنه شبَّ عن الطوق وأبدع في فن،أو طوَّر في عمل أو اكتشف نظرية،أو حل مُعضلة من معضلات الحياة العويصة،أو أو!
إن من حق الدعوة علينا أن نُذّكر بأن العلاقة مع الدعة السابقين لابد أن تكون علاقة أبوة كريمة أعطت ومنحت وما بخلت .. تقابلها علاقة بُنّوة تربوية كريمة وشكرت وأثنت وما جحدت .. علاقة لها احترام بار كاحترام الوالدين في قدسية مميزة من التعامل الحساس الذكي النبيه .. النائي عن التجريح أو التشويه ...
فليس من تزجية القول ولا من فضول التربية والتوجيه ما قرره الكتاب الخالد عن ما هيّة العلاقة ومضمونها مع من نتعلمُ منهم ونستفيد .. حين قصَّ الله علينا حادثة موسى عليه السلام مع العبد الصالح،وكيف كان كليمُ الله معه متأدبًا ولجناح التواضع خافضًا، وكيف وكَّن نفسه على السمع والطاعة والتحمل بصبر جميل ...
قال تعالى {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا*قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا*قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا*وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا*قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا} [الكهف:65 - 69] .
ولابد من التخلي عن الأحاديث المتورمة بالغرور الشيطاني التي نفخ فيها كل سمومه ووساوسه وأرجاسه الخبيثة .. لأنها مرض عضال سرطاني، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول (أكثر خطايا ابن آدم من كَلٌم لسانه) [2] ،وما أصدق المثل العربي الذي يقول:"كَلٌمُ اللسان من كَلٌمِ السَّنان".
ولابد من التخلص من نغمات النشاز الكنودة التي تعزف على أوتار،لابدمن تجاوز هؤلاء فدورهم انتهى، وعطاؤهم نفد،وعودهم يبس،والدهر أكل عليهم وشرب،فالزمن تغير،والظروف تحولت،والأحوال تبدلت، والمرحلة الجديدة تلزمها قيادة فتية وليدة .. وما إلى ذلك من عبارات براقة منمقة.
ولابد أن نذكر بقضية الأفكار والمبادئ وبمشكلة الأسبقية على الأشخاص أو عدم الأسبقية،وأن نلقي الضوء على هذه القضية التي كثرت الدندنة حولها دون طائل،فنقول:
إن الأفكار والمبادئ والقيم والأخلاق .. ليس لها حضور،وليس لحضورها وجود إلا من خلال الالتزام بها والتطبيق لها قولًا وعملًا، وسلوكًا وخلقًا في الحِلّ والترحال والسّراء والضّراء على السواء،فمثلًا:الصدق،والأمانة،والاستقامة، والإخلاص،والزهد،صواب الرأي،وسداد التفكير،وسلامة التوجيه، والإقدام والإحجام،والرؤية السياسية،والولاء والبراء .. وكل ما يخطر وما لا يخطر بالبال من أمثالها.
إننا لن نتذوق أي واحدة منها، طعمها وحضورها،إلا حين تتمثل من خلال داعيةٍ مُربّ،فاضل وكريم .. أثّر فينا موقفه،وحرّكَ منا سلوكه كوامن حياتنا وحياة دعوتنا بفضل استقامته وصدقه ونبله وإخلاصه .. وبفضل توفيق الله له ورعايته وتسديده ..
فالدعوة بأفكارها ومبادئها وقيمها وأصالتها .. يتألق جمالها بالداعية وتَدُبُّ فيها روح الحياة من خلال تدرّعه هو -من الأخمص إلى المفرق -بالتزام سام بها حيث يكون لها ترجمانًا، ويكون مضمون المنهج الإلهي هو الحكم على حياته كلها ظاهرًا وباطنًا في كل الأحوال والظروف ..
فهو يكره التزييف والتمييع،ويمقت النفاق والمداجاة،ويعاف الدَّهَان والمماراة .. لأن جهاز المراقبة الذاتية قائم في نفسه وأحاسيسه، مركوز في فؤاده وعقله،مسيطر على ضميره وكل شؤون حياته وحياة دعوته.
إنه يحس إحساسًا غير عادي بأن عين الله ترقبه وتلحظه،وأن الميزان الذي يُقَوّم به لا يستقيم بالمحاباة،ولا يصلح بالتعسف ..
قال تعالي: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} (النساء:135)
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (المائدة:8) .
لذا فالفكر والعقل والقلب والروح لهم ميزان خاص في الدعوة إلي الله لا يعرفه إلا المتقون أولو الفراسة المبصرة الذين أدركوا حقيقة وكيفية الحياة في ظلال الإسلام العظيم،وحقيقة وكيفية التعامل مع أبنائه البررة في بر وإحسان .. من أجل تجسيده معًا واقعًا حيًا أصيلًا .. كما كانت العصبة المؤمنة الأولي بقيادة محمد بن عبد الله -صلوات الله وسلامه عليه-،حيث قال الله فيهم {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} (الفتح:29)
وفي الختام لا يسعني إلا أن أقول:إنني لم آلو نُصحًا ولم أدخر وسعًا في المكاشفة والمصارحة،كما لا يسعني إلا أن أردد بحماس بالغ المثل العربي الذي يقول:"تَرَكَ الخِداعَ مَنٌ كَشَفَ القنَاعَ".
والله ولي التوفيق وهو وراء القصد.
[1] -أثَّل الله مالهُ أي: كثرَّه وقد أثِل فلانٌ تأثيلًا إذا كًثُرَ ماله
[2] -أخرجه البيهقي في"شعب الإيمان"والطبراني في"الكبير"وقال الألباني في"صحيح الجامع الصغير":حسن.
(يُتْبَعُ)