ـ [أبو الفداء] ــــــــ [12 - Sep-2010, صباحًا 11:44] ـ
العباقرة السفهاء: عندما تتمحض السفاهة في أحدِّ الناس ذكاءً!!
الحمد لله وحده، الأول فلا شيء قبله والآخر فلا شيء بعده، قيوم السماوات والأرض، عبده من عبده وجحده من جحده، والصلاة والسلام على مصطفاه الذي لا نبي بعده
أما بعد، فقد جئتك اليوم أيها القارئ الكريم بأمر عجاب!
هل تعلم أن الرجل من بني آدم قد يبلغ الغاية في الذكاء والغاية في السفاهة معا وفي آن واحد؟!
نعم وربي، وإنها لمن المضحكات المبكيات، وإنها كذلك لمن آيات الله في خلقه! فهي حقيقة خلقٍ كثير ممن برزوا في علوم الدنيا ونبغوا وبرعوا فيها وبلغوا غايتها، لا سيما في أوروبا معقل الإلحاد في زماننا! فلعل من القراء الآن من يتساءل، أيصح أن يجتمع الذكاء والسفاهة في رأس واحد؟ وأقول له نعم يصح .. وبيان ذلك أن السفاهة في اللغة لا يقتصر معناها على الغباء الذي هو بمعنى افتقار العقل إلى قدراته التي بها يميز ويزن ويقيس ويقارن وينظر في الأشياء. إنما السفاهة تعني خفة العقل بإطلاقها، وهذا المعنى متحقق فيمن خف عقله سواء كانت تلك الخفة متمثلة في قيام الرأي على ضعف في قدرات ذاك العقل، كما يكون في الأطفال والأغبياء، أو على جهل واتباع للهوى وتفريط في واجبات النظر ولوازمه قبل الإقدام عليه! ولهذا تجد العرب تقول (سفه فلان نفسه) يريدون أن فلانا هذا قد أوقع نفسه في السفاهة بما قال ورأى، لا أنه قد اعتراه عارض من غباء أو مرض أو تخلف في قدرات العقل حال نظره ذاك فخرج منه ذاك الرأي!
ولهذا، كان الرجل الذي أنعم عليه الله تعالى بمنة العقل والتمييز، ثم أنزل إليه حجة الحق فسمعها ووعاها ثم أعرض عنها وجحدها واستكبر عن قبولها، سفيها متمحضا في السفاهة مهما كان فيه من ذكاء وعبقرية وقدرة إبداعية برز بها في صنعة من صنائع العلم الدنيوي أيا كانت! بل كان مثل هذا في ميزان العقل والحكمة عند التحقيق، أضل من الأنعام والبهائم وأحطّ منزلة منها في الحقيقة! ذلك أن البهيمة لم يكلفها الله بما كلف به الإنسان ابتداء، ولم يمتحنها بقبول الحق من بعد أن يأتيها خبره وتقوم عليها حجته كما هو الشأن في بني آدم! فهي مع كونها في منزلة دون الإنسان، إلا أنها أعقل وأحكم من كثير من الناس! فإنه كلما عظُم مقدار ذلك الحق الذي أنكره الإنسان وجحده وكفر به من بعد ما تبين له، زاد استحقاقه لوصف السفاهة، وكان أحق وأجدر بأن يحقره الناس! أيستوي الذي ينكر أن في السماء شمسا، بالذي ينكر أن في السماء كوكبا من الكواكب صفته كذا وحالته كذا؟ لا يستويان! وكلما كان الحق أظهر وأوفق لما به تنادي فطرة الناس في نفوسهم، وما عليه توافقت عقولهم وبه شهدت أقيستهم السوية، كان من يجحد ذلك الحق وينكره ألصق بوصف السفاهة وخفة العقل ممن سواه، مهما ظهر عليه من آيات الذكاء والنبوغ!
وإن تعجب فعجب قول بعض السفهاء من الناس: كيف يصف قرءانكم الكفار بالسفهاء وفيهم آينشتاين وفيهم دافنشي وفيهم فلان وفلان وفلان؟؟ هؤلاء ثبت لهم الذكاء والعبقرية كما لم يثبت لأمم كاملة من البشر!! ويقال لهذا بل هم سفاء والله! وشدة ذكائهم هذه - التي نشهد بها ولا نماري فيها - آية على تمحضهم في السفاهة عند التأمل!! ذلك أن الحق قد قامت عليهم حجته وسمعوه من القرءان كما سمعه غيرهم من الناس، فآمن من الناس من حولهم من آمن وجحد هؤلاء وأصروا على كفرهم ولم يبالو حتى ماتوا عليه!! فمن السفاهة أن يقال إنهم أبوا الإيمان بما جاء به القرءان لأنهم لذكائهم ونبوغهم، رأوا فيه من الباطل ما خفي على غيرهم من الناس! فإن الحق الذي جاء به القرءان من صفة الرحمن ومما هو واجب بضرورة العقل من تعظيمه حق التعظيم، وإفراده بما هو أهله وحده لا شريك له من الطاعة والخضوع والتسليم، هذا الحق ليس فيه مطعن قط لعاقل راشد مميز! وهؤلاء لم يطعنوا على القرءان وإنما جحدوه وأعرضوا عنه ابتداء من بعد ما قامت عليهم حجته وسمعوا برسالته! ولو حاولوا الطعن فيه لزادوا بذلك سفها فوق سفه، وجحودا فوق جحود!
(يُتْبَعُ)