أرأيت أيها العاقل الرشيد رأيا أشد سخافة وسفها وجحودا من قول كهذا: إن الكون لابد له من خالق (قوة عقلية عظيمة مدبرة أنشأته ثم قامت على ضبط نظامه) ، ولكن هذه القوة العقلية ليست ذاتا مُريدة تأمر وتنهى وتضع الخلائق في الكون لغاية مطلوبة من تلك الخلائق تكليفا أو تسخيرا، وإنما هي قوة صماء بكماء غير مريدة، فلا تأمر ولا تكلف ولا تسمع دعاء ولا رجاء ولا ترسل الرسل والأنبياء ولا شيء من ذلك؟؟!
أي قول هذا إلا قول من سفه نفسه وأبى الحق من بعد ما تبين له وجحده لا لشيء إلا لأن هذا المعنى لا يعجبه ولا يرضاه ولا يوافق هواه: أن يكون خالقه الذي يشهد له بأنه خلق وأحسن الخلق والتكوين، وأنه قد ظهرت إرادته جلية في خلق البشر أنفسهم ابتداء وإيجادهم في هذا العالم ثم إماتتهم فيه من بعد تمام آجالهم = مريدا لتكليفه هو وسائر بني آدم - من بعد خلقهم ذاك - وامتحانهم في الأرض بما يريد؟؟
لا يعجبه هذا الجاحد السفيه أن تبلغه شهادة من هذا الخالق على نفسه بأنه لهذا خلق الناس فيها ولهذا يميتهم ثم يبعثهم كما خلقهم أول مرة! فبأي عقل وبأي حجة يدفع معنى إرسال الرسل وأمرهم ونهيهم وتكليف الناس وبعثهم بعد موتهم للحساب، من بعد ما جاءه الخبر بذلك ممن يقول إنه رسول من عنده؟؟؟
يقول من يعتنق هذه النحلة: أنا أومن بقوة خالقة ضرورية ولكنني لا أومن بإله متشخص (أي له صفات"الأشخاص"- بحسب مصطلحهم، ويقصد بذلك صفات السمع والبصر والإرادة وإرسال الرسل ومغفرة الذنوب والرحمة والغضب وغير ذلك مما أخبر به الأنبياء والمرسلون) ! فبأي عقل نسب إلي تلك الذات إرادة الخلق والتدبير والقيام على أمر الكون أولا، ثم نفى عنها سائر الإرادات والصفات الأخرى التي أثبتها المرسلون ثانيا؟؟ وكيف فرق بين هذه وتلك مع أنه يدري أن تجريد تلك الذات المريدة الفاعلة من محاسن الصفات التي توصف بجنسها كل ذات مريدة فاعلة = نقص فادح وعجز واضح لا يقبله العقل في حق ذاك الخالق المدبر!! وأن الباب - الذي منه لزم بالعقل إثبات معنى الخلق والتدبير - هو نفسه الذي منه يلزم إثبات معاني الكمال في سائر صفات تلك الذات المدبرة، وأن أصل معنى الإرادة والقدرة والتدبير والاتصاف بصفات الكمال الذي به أثبت هو نفسه معنى الخلق والتدبير، يلزمه به قبول سائر ما جاء به المرسلون ولابد؟؟؟ كيف يريد أن يسقط عن الخالق معاني صفاته التي أخبرنا بها الأنبياء، من بعدما دل العقل الصريح على أن ذاتا مريدة للخلق لا يمكن أن تتخلف عن أن تكون موصوفة بصفات الكمال كلها ولابد، فهو يسلبه إياها سلبا، وقد شهد له - بالفعل - بأنه الخالق المتفرد بذلك، الذي منه جاء كل شيء؟؟
أويوصف مثل هذا بأنه عاقل؟؟
هذا القول الساقط المتهافت الطافح بالكبر والجحود، أيها القارئ الحليم الفطن، إنما هو الملة التي مات عليها ألبرت آينشتاين، صاحب النسبية، عبقري العباقرة في القرن العشرين في الفيزياء والرياضيات! فخبرني بربك، ماذا أغنت عنه عبقريته الفذة تلك إذ مات على ذاك الجحود الفاحش لحقيقة لا تحتاج إلى ذكاء أصلا فضلا عن النبوغ والعبقرية، حتى يشهد بها الإنسان من بعد ما تبلغه؟؟ وكيف تراه يكون حساب رجل بلغ من الذكاء مبلغا كهذا، ثم ارتضى لنفسه ملة كهذه ولم يمت إلا عليها؟؟؟ نسأل الله العافية والثبات على الحق حتى نلقاه!
إنه الكبر والجحود، ذاك الذي أورث السفه المحض لرأس من أبرز رؤوس الإبداع والنبوغ في العالم، والله المستعان!!
وأنا أعلم أن من الملاحدة من قد يقرأ هذا الكلام الآن فبدلا من أن يراجع نفسه ويقف معها وقفة جادة صادقة يحملها على قبول الحق حملا حثيثا قبل ألا يُجدي الندم، تراه يجادلني في ملة آينشتاين التي مات عليها، يقول كلا بل كان يقول كذا وكذا، ولم يكن يرى في الدين إلا كذا وكذا!!! وأقول له: إنما ضربتُ لك المثل أيها الذكي النابغة لبيان المراد، فاعقله إن كنت فاعلا!!
(يُتْبَعُ)