فهرس الكتاب

الصفحة 14302 من 28557

غزَّةُ .. بعدَ الاِبتلاءِ تمكيْن!

ـ [عبد الرحمن السيد] ــــــــ [18 - Jan-2009, مساء 02:41] ـ

غزَّةُ .. بعدَ الاِبتلاءِ تمكيْن!

لن أستكينَ ألا اقْصِفُوا .. ودماءَ أبنائي ارشفوا

لن أستكين ومِنْ شراييني دمائي تنزفُ

لن أستكين , ودمعُ أطفالي اليتامى يذرفُ

لن أستكين فقطّعوا لحمي ومن قلبي اغرفوا

مدخل:

سأل رجل الشافعي رحمه الله فقال: يا أبا عبد الله، أيُّما أفضل للرجل: أن يُمكَّن أو أن يُبتلى؟ فقال الشافعي: لا يُمكَّن حتى يُبتلى، فإن الله ابتلى نوحًا، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمدًا صلوات الله وسلامه عليهم، فلما صبروا مكَّنهم، فلا يظنُّ أحدٌ أنه يخلُصُ من الألمِ البتة.

قلتُ: ومصداقُ ذلك في كتابِ ربِّنا جلَّ وعلا:"إنَّ مع العُسرِ يُسرًا .. فإنَّ معَ العُسرِ يُسرًا"

قال الإمامُ اِبنِ القيم - رحمهُ الله - معلقًا على مقالة الشافعيِّ السابقة: وهذا أصلٌ عظيم، فينبغي للعاقل أن يعرفه، وهذا يحصلُ لكل أحد، فإن الإنسان مدنيٌ بالطبع، لابد له أن يعيش مع الناس، والناس لهم إراداتٌ وتصورات يطلبون منه أن يوافقهم عليها، وإن لم يوافقهم آذوه وعذبوه، وإن وافقهم حصل له الأذى والعذاب، تارة منهم وتارة من غيرهم، ومن اختبر أحواله وأحوال الناس وجد من هذا شيئًا كثيرًا.

وبدايةً أيَّها الإخوةُ المؤمنون .. أحسنَ اللهُ عزائي وعزاءكم جميعًا في اِستشهادِ الشيخِ القائدِ البطل: سعيد صِيام وزيرِ الداخليةِ الفلسطينيّ - رحِمهُ اللهُ رحمة واسعة - نحسبُهُ عندَ اللهِ شهيدًا ولا نُزكِّي على اللهِ أحدًا من خلقِه .. كما أسأله سبحانه وتعالى أن يحفظ ما بقيَ من قادةِ الجهادِ والقتال في أرضِ غزة ..

أيها الأحبة: لا شكَّ أن ما يحصُلُ من ابتلاءٍ وكربٍ على أهلنا في غزة هوَ أمرٌ مؤلم وواقِعةٌ مُحزنة ..

بيْدَ أنهُ حينَ ينظُرُ المرءُ برويَّة وتريُّث في بواطنِ هذهِ الأحداث ليُدركُ بيقينٍ يصحَبُهُ تفاؤلٌ واستبشار أنَّ اللهَ عز وجل يُخفي في رحِمِ هذهِ المِحنة والمُعاناة ما يكونُ فيهِ الفوزُ والنصرُ والتمكينُ - بإذنِ الله -

أيَّها الكِرام: لقد كشَفت محنةُ غزة الوجهَ القبيحِ للنفاق والفُسوق حينَ يُزمجِرُ ويُزبِدُ في كلِ فتنةِ وبلّيِةٍ تنزلُ بالمؤمنين .."ليميزَ اللهُ الخبيثَ من الطيِّبِ ويجعلَ الخبيثَ بعضهُ على بعضٍ فيركُمهُ جميعًا فيجعلُهُ في جهنَّم أولئك همُ الخاسرون"و"ما كانَ اللهُ ليَذَرَ المُؤمنينَ على ما أنتم عليهِ حتى يميزَ الخبيثَ من الطيِّب".. وعن خُرَيْمَ بْنَ فَاتِكٍ الْأَسَدِيَّ قال:"أَهْلُ الشَّامِ سَوْطُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ يَنْتَقِمُ بِهِمْ مِمَّنْ يَشَاءُ كَيْفَ يَشَاءُ وَحَرَامٌ عَلَى مُنَافِقِيهِمْ أَنْ يَظْهَرُوا عَلَى مُؤْمِنِيهِمْ وَلَنْ يَمُوتُوا إِلَّا هَمًّا أَوْ غَيْظًا أَوْ حُزْنًا"، انفرد به أحمد وإسناده صحيح موقوف.

يقول ابن القيم - رحمه الله - في كتابه إغاثة اللهفان (2/ 273) :

الأصلُ الثامن: أن ابتلاء الله بغلبة عدوِّهم لهم وقهرِهم وكسرِهم لهم أحيانًا فيه حكمةٌ عظيمة لا يعلمها على التفصيل إلا الله عز وجل ..

فمنها: استخراج عبوديتهم وذُلِّهم لله وانكسارهم له وافتقارهم إليه وسؤاله نصرهم على أعدائهم، ولو كانوا دائمين منصورين قاهرين غالبين لبطروا وأشروا، ولو كانوا دائمًا مقهورين مغلوبين منصورًا عليهم عدوهم لما قامت للدين قائمة، ولا كان للحق دولة، فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين، أن صرفهم بين غلبهم تارة، وكونهم مغلوبين تارة، فإذا غُلِبوا تضرعوا إلى ربهم، وأنابوا إليه وخضعوا له وانكسروا له وتابوا إليه، وإذا غَلَبوا أقاموا دينه وشعائره، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وجاهدوا عدوه، ونصروا أولياءه.

ومنها:- أي من الحِكَم- أنهم لو كانوا دائمًا منصورين غالبين قاهرين لدخل معهم من ليس قصده الدين، ومتابعة الرسول، فإنه إنما ينضافُ إلى من لهُ الغلبةُ والعزَّة، ولو كانوا مقهورين مغلوبين دائمًا لم يدخل معهم أحد فاقتضت الحكمة الإلهية أن كانت لهم الدولة تارة وعليهم تارة، فيتميز بذلك بين من يريد الله ورسوله، ومن ليس له مراد إلا الدنيا والجاه.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت