ـ [ابو معاذ الاثرى] ــــــــ [14 - Jun-2010, مساء 12:50] ـ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فـ"قبول الآخَر"أحد آخِر المصطلحات بروزًا لينضم إلى قائمة المصطلحات الرنانة التي يُستخدم معظمها في ترويج أفكار باطلة: كالتقدم، والتنوير إلى آخره ...
وأصبح كل الأفراد والهيئات مطالبين بالمثول أمام محاكم تفتيش إعلامية تفتش عن أي شبهة رفض للآخر، ولا يَترُك لك هؤلاء المفتشون عن"رفض الآخر"أي فرصة لترى كيف يراك أنت؟ ومَنْ هو الآخَر الذي يَسأل عن قبولك أو رفضك له، بل لا يرضون منك بأقل من أن تحلف لهم بأغلظ الأيمان أنك تقبل الآخر، وتحترم الآخر، وتحرص على مشاعر الآخر وإلا كنتَ رجعيًا متزمتًا إلى آخر هذه القائمة من التهم المُعلبة؟! وهذا السؤال مما يصدق عليه قول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:"تدبرت معظم مواطن الخلاف فوجدتها ترجع إلى الإجمال حيث يجب التفصيل".
فنقول لهؤلاء السائلين:
إذا كان المقصود بـ"نحن"المضمرة في السؤال"المسلمين"، وبالآخَر"غيرهم"؛ فالجواب -وفق دين الله لا وفق الأهواء- هو أننا:
أولًا: نسميهم بالكفار كما سمى الله به أهل الكتاب، فغيرهم من باب أولى؛ قال -تعالى-: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) (البينة:1) .
وقال: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) (المائدة:17) ، وقال: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ) (المائدة:73) .
ثانيًا: أننا لا نرغم من يعيش منهم في بلاد المسلمين على الإسلام كما قال -تعالى-: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ... ) (البقرة:256) ، ولكننا في ذات الوقت نعلم أن تمام الآية: (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) ، فنرى أن أديانهم باطل وغي، وأن بيان ذلك من أوجب الواجبات.
ثالثًا: ونحن نلتزم في هذه الدعوة إلى دين الرشد"الإسلام"، وإلى ترك أديان الغي -التي هي كل ما عداه- بما أمر الله: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) (النحل:125) .
وما أجمل ما قاله ربعي بن عامر -رضي الله عنه- لـ"رستم"قائد الفرس:"إن الله ابتعثنا لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة"
رابعًا: نحن نعتصم بالمنهج الشرعي الواجب تجاه مداهنات المشركين سواء تمت تحت مسمى الحوار أو التعايش السلمي أو غيره كما قال -تعالى-: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) (القلم:9) ، وكما قال لرسوله -صلى الله عليه وسلم-: (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا. إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا) (الإسراء:74 - 75) .
خامسًا: نحن لا نغفل أن للكافر الذمي أو المعاهد أو المستأمن حقوق من البر العام ذكرها الله في قوله: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة:8) .
وقد خالف كثير من المعاصرين الآية إذ ادخلوا فيها: الحب، والنصرة، والرضا بالمداهنة! بل البدء فيها مما جاء النهي عنه صريحًا في كتاب الله ضاربين نصوص الكتاب والسنة بعضها ببعض، والصحيح كما قال ابن القيم -رحمه الله-:"فكان البر والإقساط المأمور بهما غير الحب والموالاة المنهي عنهما".
وزاد الطين بلة أن صَرَفوا هذه المعاني التي لا تجوز أن تصرف للمسالمين إلى المحاربين ممن بدت البغضاء من أفواههم حينما أفلتت كلمة من كبير لهم يصف حروبه المزعومة ضد ما سماه بالإرهاب بأنها حرب صليبية جديدة، ونحن نوقن أن ما تخفيه صدورهم أكبر؛ مصداقًا لقوله -تعالى-: (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) (آل عمران:118) (1) .
(يُتْبَعُ)