فهرس الكتاب

الصفحة 8538 من 28557

ـ [ابو البراء] ــــــــ [07 - Jun-2008, مساء 01:14] ـ

بسم الله الرحمن الرحيم

"لا خير في الفتنة ولو لاح للجاهل منها بريق خير"

الحمد لله فاطر الأرض والسماوات، والصلاة والسلام على النبي المبعوث بالدلائل والبينات، ثم أما بعد: لقد عصفت بالأمة الإسلامية فتن زلزلت كيانها، وأنهكت قدراتها البشرية والمادية، وشتتت شملها، وفرقت جموعها، وبددت راياتها، وعددت جماعاتها، وأنتجت أجيالا من المتباغضين، وأعقبت عداوات وبغضاء بين أبناءها، وأحدثت في صفها شرخا لم ولن يندمل إلى يوم الدين كما قال سيد البشر عليه الصلاة والسلام: [فإذا وضع السيف في أمتي فلا يرفع عنهم إلى يوم القيامة] رواه أحمد والحاكم وهو صحيح على شرط الشيخين، وهذه الفتن المدلهمة السوداء تترك الحليم حيران وتزجي بأهل القبلة في متاهات لا مخرج منها إلا بالرجوع إلى الكتاب والسنة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم انه استعاذ من فتنة المشرق والمغرب كما صححه نعيم بن حماد الخزاعي وهذه الفتن منها الكبار ومنها الصغار، فالكبار منها مهلكة تكاد تفني الأمة تستأصل أهلها حتى يقال: [هذه مهلكتي ثم تنجلي] ، والصغار منها تفتن الأمة فتنة عظيمة وتضرب بعضها ببعض، وكما روى مسلم وأحمد عن حذيفة رضي الله عنه قال: [أنا أعلم الناس بكل فتنة هي كائنة إلى يوم القيامة، وما بي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسر إلي في ذلك شيئا لم يحدث يه غيري، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدث مجلسا أنا فيه عن الفتن التي تكون منها صغار ومنها كبار فذهب أولئك الرهط كلهم غيري] ، والفتن قد أخبر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم أنها ستكون في أمته كما ورد في صحيح البخاري: [هل ترون ما أرى؟ قالوا: ما نرى شيئا، قال: إني أرى الفتن تتخلل إلى بيوتكم كمواقع القطر] ، وهذه الفتن تأتي على الأمة والمجتمعات والقبائل والأفراد كقطع الليل المظلم كما ورد في صحيح مسلم وسنن الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [تكون فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل] ، يتقلب الرجل المسلم فيها بين الشرك والإسلام، والكفر والإيمان، وقيل: يتخبط بين شكر الله تعالى على تعمه الوافرة الدينية والدنيوية وكفره بها وعدم أداء شكره عليها، وقيل: قد يبيع دينه ويتخلى عن عبادة ربه، وقيل: ينسلخ من ملته ودينه وإسلامه بارتكاب نواقض الإسلام ومبطلات الإيمان، وهذه الفتن من شدة ظلمها يمسي الرجل ويسبح بين ملتين وما ذلك إلا لخطورة هذه الفتن وسواد أمرها، وما ذلك كذلك إلا بسبب متاع الدنيا الفاني وحطامها الحقير، وقال العماد بن كثير:"قال الحسن البصري رحمه الله:"متاع الدنيا القليل الدنيا بحذافيرها"، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الفتن كما روى أحمد والحاكم وابن أبي شيبة والحميدي وعبد الرزاق وأبو نعيم في الحلية وخرجه نعيم بن حماد الخزاعي في كتاب الفتن عن علقمة الخزاعي رضي الله عنه مرفوعا: [ ... ثم تكون فتن كأنها الظلل فقال رجل كلا والله إن شاء الله يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بلى، والذي نفسي بيده ثم لتعودون أساود صبا يضرب بعضكم رقاب بعض] قال الزهري رحمه الله:"الأسود الحية إذا نهشت نذت ثم ترفع رأسها ثم تنصب"، وهذه الفتن العمياء التي لا يعرف لها وجه الحق، وتكون كقطعة الظلمة للمسلمين لا يعرفون منها المخرج بعد نزولها بهم، ومن آفات هذه الفتن أنها مظلمة لا يستبين فيها ومنها راية الحق من راية الباطل، وطريق الصواب من سبيل الخطأ بالنسبة لعوام الناس، وأما العلماء فإنهم يعرفون الفتنة إذا أقبلت بعلاماتها كما قال السلف رضي الله تعالى عنهم:"الفتن يدركها العلماء إذا أقبلت ويعرفها السفهاء إذا أدبرت"، ومن علامات هذه الفتن الغبراء المدلهمة إنها:"سريعة الالتهاب، بعيدة المدى، كثيرة المفاسد، طويلة الإخماد"، وهذه الفتن تأتي تارة بالتفرقة وتارة بالاختلاف وتارة بالعداوة وتارة بالقتل وتارة وبتمزيق الصفوف وانقسام المسلمين وتارة في مسائل الدين، وتارة في أمور الدنيا الفانية، وتارة يسبقها الهرج، وتارة يعقبها الدم والفساد والإفساد، وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: ["

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت