وإنكم لن تروا من الدنيا إلا بلاء وفتنة ولن تزداد الأمور إلا شدة]، وروى أحمد في المسند والقضاعي في شهاب المسند وصححه الأرناؤوط عن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ما بقي من الدنيا إلا بلاء وفتن] ، وفي رواية عند أحمد ومسلم والحاكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [وإن أمتكم هذه جعلت عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها ... ] ، وفي حديث آخر في صحيح البخاري قالت أم سامة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتن، سبحان الله ماذا نزل من الخزائن أيقظوا صواحب البيوت رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة] ، وقد حذرنا الله تبارك وتعالى الفتن فقال جل جلاله: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ... } ، فالفتن لا تصيب من خاض فيها واستشرفها، بل تضرب بلهيبها ويكتوي بنارها كل من أدركها وعايش أهل زمانها،
فما تسلط أهل الكفر على أهل الإسلام إلا بسبب قتال أهل الإسلام لبعضهم، ولقد قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: [ليكونن بين أهل الإسلام بين يدي الساعة الهرج والقتل حتى يقتل الرجل جده وابن عمه وأباه وأخاه، وأيم الله لقد خشيت أن تدركني وإياكم] ، وفي حديث عند ابن أبي شيبة وأبي عمرو الداني في السنن الواردة وأصله في الصحيحين عن قيس بن أبي حازم رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ترسل على الأرض الفتن إرسال القطر] ، وهذه الفتن تكون بسبب ما يغير الناس من أمر دينهم وذلك بسبب إحداث المنكرات والبدع المحدثات فإذا ظهرت هذه المخالفات بدل الله تعالى على أهل الأرض عافيتهم بالبلاء والمحن فلا تفنى هذه الأمة حتى يظهر فيهم التمايز فيما بينهم وهي عصبية يحدثها الناس بعد الإسلام، وكذا التمايل ضد بعضهم بعضا وهو ميول القبائل والأفخاد ضد بعضها فتستحل كل قبيلة ما عند الأخرى فتنتشر عند ذلك المعامع بين الأمم والدول والشعوب وتسير الأمصار إلى قتال بعضها، ولهذا قال حذيفة رضي الله تعالى عنه: [لم يكن في بني إسرائيل شيء إلا وهو فيكم كائن] ، وبعض هذه الأمة قد ابتلي بمتابعة أهل الكتاب الذين هم أصل الداء كما قال صلى الله عليه وسلم: [لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر ذراعا بذراع حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب لدخلتموه قالوا فارس والروم قال فمن] وفي رواية: [اليهود والنصارى؟ قال وهل القوم إلا هم] ، وهذه الفتن تزداد يوما بعد يوم بل ما من عام يأتي إلا والذي بعده شر منه كما ورد في صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ما من يوم يأتي إلا والذي بعده شر منه] ، وقال مكحول في شرح قوله تعالى: {لتركبن طبقا عن طبق} :"في كل عشرين سنة تكونون في حال غير الحال التي كنتم عليها"، ولهذا لا يرفع الناس برأس إذا بدلوا وغيروا ما أمر الله إقامته، فإذا ظهر منهم ذلك ظهرت الفتنة وكلما أوشكت أن تنجلي إلا وظهرت أخرى تشابهها أوهي أكبر منها، كما قال الأعمش فيما نقل عن السلف رضي الله عنهم:"لا يأتيكم أمر تضجون منه إلا أردفكم آخر شغلكم عنه"، فالشر ينادي الشر والخير ينادي الخير، فلا خير في الفتنة والفتن لأنها تضرب الأمة بعضها ببعض، وتتركهم يتهوكون فيها تهوك اليهود والنصارى، لا يدرون ما المخرج منها إلا بالرجوع على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهج النبوة الذي أكرمنا الله تعالى به، وجمع كلمة المسلمين وصفهم وأمتهم على كلمة واحدة و موقف واحد حتى لا نكون عرضة لسخرية الأمم والشعوب وحتى لا نكون فريسة سهلة لمن أراد أن يذل هذه الأمة المحمدية المنصورة الظاهرة الغالبة العزيزة ...
و كتبه
عبد الفتاح زراوي حمداش
المشرف العام لموقع ميراث السنة