فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [أبوالطيب الروبي] ــــــــ [30 - Jan-2010, صباحًا 08:00] ـ
معرفتي بالدكتورة نوال السعداوي ليستْ قصيرة، بل لها خمسة عشر عامًا الآن، أول معرفتي بها كانتْ وأنا على أعتاب الجامعة، عندما دخلْتُ ذات يوم إلى مكتبة خالي في منزلِه القديم الذي كان قد هجره، وترك فيه مكتبة متواضعة بها مجموعة من كتب التراث، وبعض الكتب المعاصرة، كان من بينها كتابٌ بعنوان:"مذكرات طبيبة"؛ للدكتورة نوال السعداوي، انتهتْ فيه الدكتورة التي كانتْ تحكي تجربتها الشخصية إلى أنها كانتْ مؤمنة بالعلم إلهًا، ثم جحدتْ ذلك وآمنت بالجمال إلهًا!
لَم أترك هذا الكتاب حتى أنهيته، ثم إذا بي أقف على أعداد قديمة من مجلة اللواء الإسلامي في المكتبة ذاتها، فإذا فيها مناظرات كبيرةٌ بين الدكتورة وعلماء الأزهر؛ إذ كانت الدكتورة تناقشهم في قضايا مختلفة، أذكر منها قضية فكرية خطيرة، وهي:"حق المرأة في أن تهبَ جسدها لمن شاء".
لَم تخرج من ذاكرتي إلى الآن صورة الدكتورة وهي جالسةٌ بين علماء الأزهر، وقد أشعلتْ"سيجارها"، كأنها تتحداهم بأفعالها بجانب أقوالِها!
كان هذا أول عهدي بالدكتورة، ثم لَم يزل يأتيني من أخبارها ما هو على نفس الشاكلة من غرائب الأفكار، وعجائب الآراء.
كثيرًا ما أشعر نحو الدكتورة بما نشعر جميعًا تجاه مُجرمي الحرب، الذين يقومون بعمليات إبادة جماعية ضد المدنيين، وأحيانًا أخرى أشعر نحوها بما نشعر به تجاه المعاقين وأصحاب الأمراض المزمنة والأدواء المستعصية، إنه الشعور بالرحمة لهم، والأسى عليهم، والتوَجُّع مِن أجلهم، أحس أنها مسكينة، وتستحق الدعاء لها بالشفاء العاجل من تلك الأفكار التي تحملها والدعوات التي تَتَبَنَّاها!
أجل، أليست الدكتورة مسكينة، بل ومسكينة جدًّا جدًّا؟! أليست الدكتورة على أعتاب حياتها لم يبقَ معها فيها إلا ورقات صغيرات على وشك أن تسقط، ثم تقدم على حياة أخرى هي صدمة للدكتورة بكلِّ المقاييس؟! أليستْ ستقدم على الدار الآخرة، وينكشف لها الغطاء، فتعاين الأشياء على حقيقتها كما هي في نفس الأمر؟!
أليست تجد الغيب شهادة، وما ظنَّتْه خرافات وخُزَعبلات حقيقة ملْموسة مَحْسوسة؟! أليستْ تلقى ربها الذي طالما أنكرتْ وجودَه بأفعالها إن لَم يكنْ بلسانها، وسخرتْ من أوامره وشرْعه؟!
أليست تلقى جنة ونارًا، وعذاب قبْر ونعيمه؟ أليستْ ستعرف حينها أن الله هو خالق الكون وليست الصدْفة، وأنه هو الذي أنزل القرآن ليكونَ دستور حياة، وبعث محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بالشرْع الكامل الصالِح للتطْبيق في كلِّ زمان ومكان؟
كيف بها وقد جاء منَ البشر من يطلبون الثأر منها؛ لأنها كانتْ سببًا في إغوائهم واعْوجاجهم العقلي والفكري؟
كيف بها وقد عاينت عيْن اليقين ورأت الذين اتخذتهم أسوتها ومثلها العليا من أساطين الملاحدة الذين أضلوا البشرية، قد أُخذ بهم إلى النار التي طالما سخروا منها وتهكموا بها، وقد وقفوا أذلاء، ناكسي رؤوسهم بين يدي الرب الذي طالما أنكروا وجودَه، أو قدرته على عقاب البشر وإثابتهم؟!
كيف بالدكتورة وقد رأتْ سني عمرها الطويلة قد ذهبت في خداع وزيف، ووهْم وتضليل، وأن كل ما كانتْ تحسبه تطوُّرًا وتنورًا وتقدُّمًا هو سراب بقيعة، وأن كل ما كتبتْه زاعمة به النهوض بالعقل البشري، وتحرير الإنسان منَ القيود والاستعباد - ما هو إلا خيانة للعقل، واسترقاق للنفْس البشرية، وإهلاك لها، وتضْييع لمستقبلها الأُخروي، وحرمانها مِن نعيم سرْمدي وسعادة أبدية؟!
إنها لحظة حرجة، وموقف في غاية الصعوبة، عندما تجد أن عمرك كله وكدحك ومعاناتك وآلامك ذهبتْ هباءً منثورًا، ليس هذا فحسب، بل هي خطأ في نفس الأمر، بل هي موجبة لعقابك وتعذيبك، وأول مَن يطالب بعقوبتك والانتقام منك هم أتباعك وأشياعك، ومَن كنت تعمل مِن أجلهم، وتظن أنك تخدمهم، ونذرت حياتك لأجل سعادتهم.
إن مئات الألوف من البشر حول العالم ممن كنت تقدم لهم ما تظنه عسلًا شهيًّا، ظهر أنه سُم زعاف، وها هم الآن يرون أنك مجرمٌ كبير، ومزورٌ خطير، تستحق أن تنزل بك أقسى العقوبات؛ لأنك تسببتَ في إهلاكهم.
ألا توافقني أن الدكتورة تستحق منك أن ترثي لحالها، وتغمض عينيك وتهز رأسك أسًى لها، عندما تراها تخرج على المجتمع ببائقة فكرية بين الفينة والأخرى؟!
(يُتْبَعُ)