فهرس الكتاب

الصفحة 5643 من 28557

ـ [الجواد المغربي] ــــــــ [18 - Feb-2008, مساء 03:06] ـ

التصالح مع الكتابة

يجب أن تكون الكتابة قادرة على الإبلاغ، وتوصيل الأفكار والتصورات والمعلومات؛ ولم لا المشاعر؟

نعم الكتابة قادرة واللغة مسعفة وأساليب التعبير متعددة والمترادفات كثيرة واللغة غنية ... وما إلى ذلك، لكن رغم هذا الغنى فإن التواصل بالكتابة، وأقصد هنا الكتابة بالعربية؛ لا تؤدي الغرض، ولا تستوفي القصد؛ لا لذات اللغة؛ وإنما لغيرها، فتجد نفسك بحاجة إلى الكاتب؛ صاحب الكتاب؛ ليفك ألغازه ويكشف أسراره؛ أو على الأقل تجد نفسك لم تصل إلى فكرة أو موقف صاحب النص، على افتراض أن النص يحمل حقا فكرة وصاحبه موقفا!!

ليس يعني ذلك أنك ساذج أو قليل الفهم أو غير متخصص فيما تقرأ؛ بل يعني؛ بكل صدق أن الكاتب المؤلف الباحث لا يتقن التواصل كتابة.

نسجل هذا الأمر كذلك في الكتب المقررة للدراسة، في المدارس والكليات، وكأن المؤلفين والإدارة التربوية تقول للتلميذ أو الطالب:

"إنك بحاجة ماسة إلى الساحرِ المدرسِ الأستاذِ ليفك السحر ويقرأ الطلاسم".

تقول له بصيغة غير مباشرة؛ وفي أحيان أخرى؛ مباشرة:

"إنكَ بحاجة إلينا ولست مستقلا عنا؛ إن سجن المدرسة لن يخلي سبيلك". (رفض بيع براءة الاختراع؟؟)

السبب والعلة هو أننا لا نكتب لغيرنا / للمتلقي، بل نكتب لأنفسنا، بل أخشى القول إننا نكتب- حقا- في بعض الأحيان ما لا نستوعبه، أو ما نفهم اليسير منه فقط، أو يخامرنا غبش في فهمه وفقهه.

إن بعض (الكتاب) لا يكتبون إلا من أجل الكتابة؛ يكتبون وذهنهم خال من الأهداف الإجرائية للكتابة، هذه الأهداف تعطي القيمة للكاتب والمكتوب، وتسطر الطريق لمسار الكتابة فتكون صوى هادية إلى المهيع موجهة إلى البغية المقصودة.

ومن الأسباب المهمة في فهم الظاهرة: الجهل بقانون التموقع: ويعني أننا لا نضع أنفسنا في محل الآخرين وفقا لزمانهم ومكانهم وعقلهم وسقفهم المعرفي وحالاتهم الشعورية ووضعيتهم التاريخية و الجغرافية، وبنية لغتهم وأساليبهم في الخطاب ... هذا إذا كان الكاتب يكتب ما يفهمه -الفهم الدقيق، أما إذا كان يكتب ما لا يفهمه أو يفهمه فهما ناقصا مشوشا فتحدث ولا تحرج، فهذا من قمة الجهل؛ بل هو الجهل المركب عينه وأنفه وأذنه ومنخاره.

إن هذا الأمر الذي أتحدث عنه ليس ضربا من الخيال، أو شطحات فكر، بل هو واقع قائم بذاته؛ واقع وقوعا لا شك فيه، وبكثرة. ولعل الجهل الضارب بأطنابه في الكثرة الكاثرة الكارثية من المجتمع راجع إليه، وسبب فيه كذلك.

-نسجل هذه الظاهرة كذلك في اللغة الشفهية؛ فهي لا تخلو كذلك من الغموض.

قال عبد العزيز حمودة في كتابه المرايا المقعرة - نحو نظرية نقدية عربية:

«غموض الكتابات الحداثية العربية نوعان: غموض غير مقصود وغموض مقصود متعمد. والغموض غير المقصود من النوع الذي لا يغتفر، فمن ناحية النتيجة فإنه يؤدي إلى تشويه الأفكار والمفاهيم الأصلية. وأما أسبابه فهي الأخرى لا تغتفر لأنها تنشأ إما عن سوء فهم النص الحداثي، وإما عن سوء نقله إلى العربية، وفي معظم الأحيان عن الاثنين معا ...

أما الغموض المقصود في الكتابات الحداثية العربية فهو مجاراة واعية مدركة لغموض النص الحداثي في لغته الأصلية تأسيسا على مبدأ لفت لغة النقد النظر إلى نفسها».

(انظر سلسلة عالم المعرفة العدد 272 ص:106 - 107)

لا يحسن أن يفهم من مقالتي هذه أن الناس في التأليف سواء؛ بل منهم النجباء الأذكياء الذين يكتبون ما يستوعبون وما يُستوعب؛ ولكنهم نزر يسير مقارنة مع أصحاب درجة الصفر من الكتابة. (الذين يكتبون ويكثرون ليقال عنهم ويتحدث بهم ... أو لأغراض أخرى لا نعرفها)

ولا أحب أن يفهم من كلامي أن اللغة العربية قاصرة عن التعبير كما يتخيل وهمًا بعض الذي ارتضعوا لبان ثقافة لغات أجنبية إما هنا أو هناك. فهي كما قلت غنية كل الغنى، والقصور قصور مستعمليها.

لا يختلف جل المحاضرين والكتاب والمؤلفين عن غيرهم من سوقة الناس - عوامهم- إلا باللغة (الفصحى) التي يستعملون. فهناك أفكار معلومات معلومة لدى كلهم إلا أن الفرق كامن في الخطاب الذي يحملها:

-فالعوام سوقةُ القومِ يجعلونها في خطاب دارج عاميّ.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت