فهرس الكتاب

الصفحة 4863 من 28557

ـ [فريد البيدق] ــــــــ [28 - Dec-2007, مساء 04:04] ـ

استبعد"علم اللغة"علاقة"اللفظ والمعنى"في بعدها الأوليّ؛ لأنه عدّ تلك العلاقة من الغيبيات"الميتا"التي لا تخضع للعلم، والتي ينبغي إهمالها لأن البحث في أولية اللغة وهل هي توقيفية أم اصطلاحية أم غير ذلك - غير مفيد. وصارت تلك العلاقة من مباحث"فقه اللغة"الذي أخذ يسرد كل اختيارٍ وحجج أصحابه.

ودخلت هذه القضية"فن نقد الشعر"ببعدٍ تطبيقيّ يبحث في نعوت"اللفظ والمعنى"، وأيهما مصدر الحسن الفني. وذلك مشاركة في القضية التي افتتحها"الجاحظ"عندما قال:"المعاني مطروحة في الطريق"، فيكون منتصرا للفظ على المعنى. واستمر ذلك محلا للجدل العلمي والفني ولم يحسم.

وقام علم"البيان"على هذه القضية بمباحثه"التشبيه والاستعارة والمجاز المرسل والمجاز العقلي والكناية"-في بعدها"الحقيقي والمجازي"، وهو توظيف جيد لهذه العلاقة. هذا بالنسبة لمن يجيزون المجاز، أما من يمنعونه فهم مطالبون بتأسيس فن مناظر لـ"البيان"وفق مقولتهم الهادمة لـ"البيان"القائم على المجاز.

ثم جاء"النحو"ووظفها وفق مباحثه ومنهجه، ويظهر هذا التوظيف كأجلى ما يكون الظهور في مبحثي"المفعول المطلق، وبعض التوابع"؛ فـ"المفعول المطلق"جزء معنوي مرتبط بمعنى الفعل الذي هو عامله؛ لذا تعددت أنواعه ما بين"مؤكد"أعم دلالة و"مبين للنوع ومبين للعدد"أضيق دلالة.

وفي"البدل"- أحد التوابع- يتحقق فيه ذات المفهوم لكن ليس بين اسم وفعل كما كان في العلاقة السابقة، وإنما بين اسم واسم؛ فهناك"البدل المطابق الكل من الكل"ذو الدلالة العامة، وهناك"البدل الجزئي"ذو الدلالة الأضيق، وهناك"بدل الاشتمال"القائم على البعد التضمني أو الالتزامي لدلالة اللفظ. وكذا"عطف البيان"المطابق لـ"البدل"إلا في مسألتين معروضتين في كتب النحو. وهناك تابع"التوكيد"الذي يضيق من دلالة المؤكَّد كما هو معروف في مباحثه.

ويدخل"علم المعاني"هذا الميدان من خلال مبحث"مقتضى الحال"الذي يقوم عليه العلم.و"مقضى الحال"لا يعدو كونه المعنى القائم لحظة التحدث والذي ينبغي مراعاته لأنه يمثل المقام المعنِي بالكلام.

ويشارك"علم الصرف"في ذلك بمشاركة لفتت من الآخرين الانتباه، وجعلت أحد الدكاترة المعاصرين- الدكتور عبد الكريم جبل- يؤلف بحثا في ذلك. في ماذا؟ في اختلاف المصادر للمادة اللغوية الواحدة تنويعا للمعنى؛ فـ"وجد"لها من المصادر"وجود، ووجد، ووجدان"، و"عبر"لها من المصادر"عبور، وعبارة". وغير ذلك كثير وارد في المعاجم وهذا البحث القيم. وهذه المصادر ليست مبنية على"الترادف"لكنها مبنية على الاختلاف في المعنى القائم على استعمالات العرب وليس على البعد التنظيري الفلسفي.

ويبقى"علم الأصوات"الذي لم يشارك إلى الآن مشاركة كبيرة؛ إذ المشاركة القائمة تتمثل في التناظر بين الثنائيات المتصاقبة معنًى؛ مثل"قضم وخضم، وعصر وهصر ..."إلى غير ذلك.

ورغم أن"علم الدلالة"الحديث قد نما نموا كبيرا، إلا أن هذه العلاقات السابقة عبر جزئيات علوم اللغة العربية -تحتاج إلى تأصيلات تنظيرية متخصصة. وقد يشاء الله تعالى فأقوم بذلك في مقالات آتية -إن شاء الله تعالى.

ـ [أبو مالك العوضي] ــــــــ [28 - Dec-2007, مساء 06:00] ـ

هذا بالنسبة لمن يجيزون المجاز، أما من يمنعونه فهم مطالبون بتأسيس فن مناظر لـ"البيان"وفق مقولتهم الهادمة لـ"البيان"القائم على المجاز.

وفقك الله

مانعو المجاز لم يقولوا إن البيان قائم على المجاز أصلا حتى يصح هدم البيان بمنع المجاز.

المقصود من منع المجاز أن هذا التقسيم (حقيقة - مجاز) قائم على تخيل افتراضي بغير دليل، وليس معناه أنهم يقولون: صُب لي هاهنا من ماء الملام، وائتني بريشة من جناح الذل!!

هل يشيع المجاز حتى يكون حقيقة ثم يشتق منه مجاز آخر؟

يجيبك أصحاب المجاز أنْ نعم ولا بد، وقد يتكرر ذلك مرارا حتى يكون للمجاز مجاز وللمجاز الآخر مجاز وهكذا.

إذن فهذا التقسيم غير صحيح؛ لأن المجاز صار حقيقة كما صارت الحقيقة مجازا.

وكذلك فما المانع من أن يكون الأصل الذي افترضتم وجوده للحقيقة الوضعية كان أصلا مجازا لحقيقة أخرى قديمة؟!

لا يوجد ما يمنع هذا على الإطلاق، ولا يستطيعون أن ينكروا ذلك إلا بأنه لا دليل عليه، فإن قالوا ذلك لزمهم مثله في الوضع الأول؛ لأنه لا دليل عليه.

فالقول بمنع هذا التقسيم ليس فيه هدم لعلم البيان، والجاحظ صاحب أهم كتاب في علم البيان (البيان والتبيين) لم يذكر كلمة (المجاز) مطلقا في كتابه!!

والشعراء والأدباء والكتاب المتقدمون كانوا أرباب البيان وأئمة المعاني ولم يتلفظ أحد منهم بكلمة المجاز بالمعنى الاصطلاحي، ولم يهدم ذلك بيانهم.

فالحاصل أن الخلاف بين الفريقين في أكثره لفظي، والخلاف الحقيقي لم يظهر إلا عند المتأخرين الذين اعتمدوا هذه النظرية في تأويل صفات الله عز وجل بغير حجة.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت