ـ [علي الغامدي] ــــــــ [07 - Nov-2008, صباحًا 03:37] ـ
لا أشك طرفة عينٍ أن مرشح الحزب الديمقراطي الأمريكي ذي الأصول الكينية باراك أوباما قد قرأ شيئًا من تاريخ أجداده الأفارقة الذين نزحوا إلى الأرض الجديدة، تحت سياط القهر التي ألهبت ظهورهم، وحفرت أخاديد الإذلال فوق أجسادهم النحيلة، وأن أجداده ذاقوا الأمرين وتسببوا في حربٍ طاحنةٍ بين الشمال والجنوب لتحرير العبيد! وأجزم أن هذا المحامي الأكاديمي البارع، والخطيب المفوه، قد قرأ تلمود السود في أمريكا، ملحمة الجذور لإيلكس هيلي، وكوخ العم توم لهربييت ستاو، وحياة مالكوم إكس لإيلكس هيلي أيضًا، وحفظ الكثير الكثير من خطابات داعية الحقوق المدنية الزنجي - الذي اغتاله الرجل الأبيض - مارتن لوثر كنج عام 72!
ومن قرأ شيئًا عن معارك تحرير العبيد الطاحنة في أمريكا، والإذلال الذي نالهم أثناء شحنهم من القارة السمراء إلى السواحل الأمريكية قبل التحرير، وكيف كانوا يقتلون أو يرمون في البحر لتخفيف حمولة سفن البضائع إن عصفت بها الأنواء، أدرك مقدار ظلم الرجل النصراني الأبيض ضد الأفارقة، وفداحة جرائم تجار الرقيق ضد البشرية.
ولأن أوباما من أصولٍ أفريقيةٍ كينيةٍ، عاش وقرأ عن تناقضات المجتمع الأمريكي ضد أبناء جلدته من ذوي البشرة السمراء، فإنه سيحمل في صدره جذوة متقدة من الغضب ضد الظلم، والحقد على التجاوزات التي مارسها البيض على أقرانه، حيث عمل في مجال قوانين حقوق الإنسان، ورفض العمل في شركات المحاماة الكبرى ليعمل في الدفاع عن ضحايا التفرقة في السكن والعمل! وعلى هذا مضى منافحًا عن حقوق أبناء جلدته المهمشة حتى أفسدته الانتخابات.
إذ لم يكد يستنشق شيئًا من روائح النصر والظفر في السباق المحموم مع منافسته هيلاري، حتى عاد عديم الأصل إلى أصله، فكانت محاضرته بين يدي عصابة (الإيباك) وهي منظمة يهودية أمريكية، تعمل لتعزيز مصالح اليهود على أرض فلسطين المحتلة، وتعهد هناك في تلك القاعة أمام أسياده الجدد، بضمان تفوق إسرائيل العسكري النوعي في الشرق الأوسط، وقدرتها على الدفاع عن نفسها من أية هجمات قد تتعرض لها من غزة إلى طهران، في حال تربعه على كرسي الرئاسة!
كما تعهد لتلك القطعان اليهودية بالدعم السخي على مدى عشرة أعوامٍ بما يوازي ثلاثين مليارًا من الدولارات الأمريكية، وقال: إن السلام يخدم مصلحة أمريكا وإسرائيل، لكنه شدد على أن أي دولة فلسطينية يجب أن تضمن أمن إسرائيل، وأن تبقي عليها دولة يهودية عاصمتها القدس التي يجب أن تظل مدينة موحدة غير مقسمة! يهودي أكثر من اليهود أنفسهم!
وقال إنه لا توجد أي إمكانية للتفاوض مع الإرهابيين ولذا عارض مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية خلال عام 2006. وأنه على الفلسطينيين أن يدركوا أن مساندتهم للمتطرفين لن تجلب عليهم النفع، وإن على مصر أن توقف تهريب الأسلحة إلى غزة، ثم أردف تصريحاته بقوله: عندما أزور إيباك فإنني بين أصدقاء حقيقيين .. يؤكدون أن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل تتجاوز المصلحة الوطنية وتتجسد في القيم المشتركة التي تجمع البلدين.
وشدد - هذا الكيني المتصهين - على تعاطفه مع ضحايا الهولوكست، ومعاناة اليهود عبر التاريخ، وقال إن علينا أن نتأكد من أن ألا يتكرر هذا الأمر ثانية أبدًا إلخ … ولم يأت هذا الرخيص في خطابه على معانة أطفال غزة والرافدين!
كنت أثناء مراقبتي - كما يراقب أي مشاهدٍ ومطلعٍ - لسير هذه الانتخابات أقول لنفسي ممنيًا نفسي الأماني الكاذبة المستحيلة: قد يتعاطف هذا الأفريقي مع قضايا المضطهدين من المسلمين الفلسطينيين، بحكم الجذور الأفريقية الضعيفة، لكنه عندما انعتق من تصفيات السباق المحموم بينه وبين هيلاري، ولاحت له معالم البيت الأبيض، حتى قدم ما يملك وما لا يملك للرقم الصعب في معادلة الفوز، مباركة وتعميد عصابة الإيباك، اللوبي اليهودي المتطرف في أمريكا!
انتهينا من غباء الصليبي بوش وجاء الدور على أوباما خادم اليهود الجديد.
ثمة مفارقاتٍ غريبةٍ هنا، بين ما قام به البيض ضد أجداد هذا الكيني، وبين ما قام به اليهود وما زالوا ضد الشعب الفلسطيني!
(يُتْبَعُ)