ـ [أبو محمد التونسي] ــــــــ [10 - May-2008, مساء 04:05] ـ
كتب د. طارق عبد الحليم*
اتفاقية كامب ديفيد لا تمثل شرعية إسلامية ولا شرعية دولية إذ إنها تمت برعاية العدو الصليبيّ لصالح العدو الصهيونيّ، فالمسلمون ملزمون بالخروج عليها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. وكان أحقّ بمن يتباكى على السيادة المصرية التي نالت منها أيدي النساء والأطفال الجياع من أبناء غزّة، أن يتباكى على ضياع هذه السيادة بالكلية في اتفاقية معسكر داود التي منحت ومنعت للسيادة المصرية ما أرادت الصهيونية والصليبية أن تمنح وتمنع.
علت في الأسابيع الأخيرة، أصوات ناعقة تندد بالعبور الفلسطينيّ إلى أرض مصر للتزود باحتياجاتها الضرورية بعدما تكاثرت عليها أمم الكفر الصليبية والصهيونية ومنعت عنها الغذاء والدواء تحت سمع وبصر دول الجوار العربية والحكومات"المسلمة!"وتزعم أن هذا اعتداء على السيادة المصرية وأن مصر ملتزمة بنصوص اتفاقيات المعابر التي تعبر عن الشرعية الدولية! وهذا الهراء قد عبر عنه وزير الخارجية المصرية أحمد أبو الغيط.
والشرعية الدولية تعبير يتركب من كلمتين تعبّر كلّ منهما عن معنى محدد، ثم يعبر اجتماعهما عن المقصود الكليّ من التعبير. فلفظ"الشرعية"يعنى - في حديث المسلمين ولغة خطابهم - ما هو مبنيّ على الشرع ومقبول في حدوده التي لا تنصّ إلا على الحقّ، وهو يعنى كذلك - في حديث المجتمع الدوليّ - ما هو متفق عليه اختيارًا، بين الدول في حدود الحقّ. والمسافة بين التفسيرين قريبة إن فرضنا أنّ الحق واحد لا يتعدد وأنه مقصود للمجتمع الدوليّ كما هو مقصود بالضرورة للشرع الحنيف، وهو ما نصّ عليه النظام الأساسيّ لمحكمة العدل الدولية.
والقانون الدوليّ - خلافًا للقوانين الداخلية - مبنيّ على الأعراف السائدة في المجتمع الدوليّ في زمن من الأزمنة كما معلوم لفقهائه، وتتغير هذه الأعراف حسب توازن القوى ومصالح الدول القوية مقابل الدول الضعيفة. ومن ثمّ، فبالرغم من أنه قد وُضِع أصلًا لتحقيق العدالة وتنظيم العلاقات بين المجتمعات الإنسانية حسب أصول الحق ومقاطعه، فإنه ككلّ حقّ لا تسنده قوة تنفيذية، عرضة للتغاضي وليس له أيّ تأثير في مجريات الأحداث على أرض الواقع.
والمنطقة العربية بعامة، ومصر بخاصة، ليست غريبة على هذا القانون ولا على ما يفرزه هذا القانون من اتفاقيات يفترض أنها تنظم هذه العلاقات وتحددها، في ظل الحقّ وحدود العدل. بل إن أول اتفاقية في تاريخ البشرية كانت بين ملك مصر رمسيس الثاني وملك الحيثيين، منذ ما يقرب من خمسة عشر قرنا قبل الميلاد، لتنظيم العلاقة بينهما والحد من الإعتداءات المتكررة بين الجانبين.
ويجب على الناظر في أمر هذا القانون والمخدوع في تطبيقه، أن يدرك أن هؤلاء الناعقين بضرورة الالتزام ببنوده هم من يتخذه ذريعة لخيانة الأمة وبيع قضيتها واللحاق بركب الصهاينة والصليبيين، وعليه أن يضع في حسبانه ما يلي:
• أنّ الشرعية الدولية الحقة تقف إلى صفّ حكومة الأغلبية التي شكلتها حماس بعد أن اكتسحت الانتخابات الفلسطينية بنسبة أكثر من 70%، ولكن كونها حكومة تعلن الإسلام مرجعًا لها، فقد اعترضت عليها الشرعية العلمانية الفلسطينية المتمثلة في عباس ميرزا كما اعترضت عليها"الشرعية الدولية"الزائفة ووقفت إلى جانب الأقلية العلمانية.
• أن الشرعية الدولية الحقّة تنكر احتلال الأرض بالقوة وطرد أبنائها ومنع حقهم في العودة لأراضيهم وتغيير معالمها وحدودها، وهو ما نصّت عليه قرارات الأمم المتحدة التي ضربت بها إسرائيل عرض الحائط على مدى العقود الخمسة الماضية. فلماذا يا ترى لم يتباكى المتباكون على أطلال الشرعية الدولية وعلى أكفان قراراتها التي بصقت عليها إسرائيل؟ وليس ببعيد رفض إسرائيل لقرار العدل الدولية لبناء الجدار الفاصل عام 2003 بدعوى عدم وجود صلاحية للمحكمة للبحث في هذه القضية وهو الأمر الذي ردته محكمة العدل الدولية وقتها.
(يُتْبَعُ)