فهرس الكتاب

الصفحة 13405 من 28557

زيد بن ثابت:مدير كلية الألسن

ـ [خالد المرسى] ــــــــ [26 - Dec-2008, مساء 05:41] ـ

لو كان هناك دار للألسن لكان زيدٌ رضي الله عنه مديرها، بل لو كان هناك وزارة للتعليم العالي لكان رضي الله عنه وزيرها. ولا عجب في ذلك فهو كما وصفه المؤرخون: شيخ المقرئين، وشيخ الفرضييِّن، ومفتي المدينة، وكاتب الوحي، وأحد الأذكياء، ثم هو بعد ذلك كله، وقبل ذلك كله: ترجمان الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد قال رضي الله عنه"أُتي بي النبيَّ صلى الله عليه وسلم مَقْدمَهُ المدينة فقيل: هذا من بني النجار وقد قرأ سبع عشرة سورة، فقرأت عليه فأعجبه ذلك فقال:"تعلم كتاب يهود فإني ما آمنهم على كتابي"ففعلت فما مضى لي نصف شهر حتى حَذقته، فكنت أكتب إليهم، وإذا كتبوا قرأت له"

كان له رضي الله عنه من العمر وقتها إحدى عشرة سنة! وقد لفت انتباه النبي صلى الله عليه وسلم فوجهه إلى دراسة أكثر من لغة كما ذكر أهل السير، كان صلى الله عليه وسلم يبني وقتها مجتمعًا جديدًا، قائمًا على التخصص. وقد صاحب زيدٌ رضي الله عنه العلمَ منذ ذلك الوقت، وعُرف به، وعلى ذلك بقي عهدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم والراشدين من بعده صلوات ربي وسلامه عليه. وإنَّ لزيد رضي الله عنه في عنق كلِّ مسلم حقًا ودعوة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فزيد رضي الله عنه هو الذي جمع القرآن، فلا تنس وأنت تنظر في القرآن أن تذكر زيدًا فتدعو له دعوة من قلبك تبلغ بها رضى ربك، ولعلك بها تصحبه في الجنة. لم يكن اختيار أبي يكر وعمر لزيد رضي الله عنهم ضربة حظٍ، بل عن إدراك وقصد، فهو وزير التعليم العالي، وهو الموفق، وهو الخبير، وهو ـ وهذا هو الأهم ـ صاحب المنهج القادرعلى تنفيذ هذه المهمة الخطيرة. وجملة"جمع زيد القرآن"لا ينبغي أن تمرَّ مرورًا عابرًا، فتفهم وكأنها عملية آلية قامت على الجمع والضم، واعتمدت على حافظة زيد. بل لقد وضع زيد رضي الله عنه منهجًا، واعتمد تقنية عالية، لضبط عملية الجمع، وتوثيق الآيات ... إلى هنا وأكتفي بهذه المقدمة، فزيد رضي الله عنه ليس هو موضوع المقال، ولكنها لفتات سريعة عن حركة المجتمع المدني ـ وصفًا ولقبًا ـ زمن الرسول صلى الله عليه وسلم والراشدين رضوان الله عليهم، كي تكون توطئة نعود إليها عندما ندخل في موضوعنا.

أما موضوع المقال فهو عن تحديد العالم الذي تستغفر له الملائكة في سمائها، والحيتان في بحورها، والذي يسمى كبيرًا في السماء. والداعي إلى طرق هذا الموضوع اتصال جاءني من أخٍ حبيب، يشكو به من ملاحقة بعض المشائخ له، وإصرارهم عليه بأنَّ ما يسعى فيه من طلبٍ للعلوم الإدارية والاستراتيجية وغيرها مما يدخل في بابها، والتي من خلالها يمكن خدمة كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتوظيف ذلك لمصلحة الأمة المسلمة؛ إصرارهم بأنَّ كل ذلك لا يدخله في دائرة العلماء، ولا يجعله ممن أثنى عليهم اللهُ ورسولُه صلوات الله عليه وسلم، فالعالم عندهم هو دارس العقيدة، والتفسير، والفقه، وغيرها من علوم الشريعة. نعم هم يقولون بأنه يحصل على الأجر والمثوبة، ولكنه ليس من العلماء المقصودين في النصوص.

وأنا أدرك بأنَّ مثل هذه المقالات ليست محلًا للتطويل في سرد الأدلة، أو التكثير من التفريع، بل تكفي الإشارة، والاختصار بالعبارة، ومن يريد الاستزادة فعليه بمراجعة المسائل في مظانِّها، وحسبنا التنبيه والإثارة. لذلك سأكتفي بالإشارة إلى آية، وقاعدةٍ أصولية، وعودةٍ إلى زيد رضي الله عنه:

أما الآية فهي قوله تعالى:"ألم ترَأنَّ اللهَ أنزل من السماء ماءً فأخرجنا به ثمراتٍ مُختلفًا ألوانُها، ومن الجبال جُدَدٌ بيضٌ وحُمْرٌ مُختلف ألوانُها وغرابيبُ سُود * ومن النَّاس والدوابِّ والأنعام مُختلفٌ ألوانُه كذلك، إنَّما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ. إنَّ الله عزيزٌ غفور *" (فاطر: 27، 28) .

العلماء في الآية هم دارسوا علوم الأرض، وعلوم الإنسان، وعلوم الأجناس، وعلوم الحيوان، وعلوم النبات، وهؤلاء هم الذين يخشون الله ـ وهذا ليس بالطبع نفيًا للخشية عن غيرهم ـ لأنهم يرون عظيم خلق الله في الأنفس وفي الآفاق. وهؤلاء علماء:

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت