فهرس الكتاب

الصفحة 7747 من 28557

مقالات الشيخ طارق عبد الحليم{معالم في الفكر السياسي الإسلامي}

ـ [أبو محمد التونسي] ــــــــ [12 - May-2008, صباحًا 03:39] ـ

معالم في الفكر السياسي الإسلامي

كنت قد عزمت على التوسع في بحثٍ خاصٍ بموضوع المصلحة المرسلة، مفهومها وحدّها وتطبيقاتها في زمننا المعاصر، باعتبار أنها من الأدلة الشرعية التي قد أسئ استخدامها في استنباط أحكام شرعية غير صحيحة، لسبب أو لآخر، ثم ما قد يشتبه بها كدليل الإستحسان من ناحية، وما قد يكون مشتركًا بينها وبين"البدعة"من ناحية أخرى، تتمة لبحث كنت قد دوّنته في منتصف الثمانينات. ثم إني طالعت مقال أخي الدكتور صلاح الصاوى التي نشرها في العدد الخامس من مجلة"المنار الجديد"، تحت عنوان"رؤية فقهية حول المشاركة السياسية للمسلمين في أمريكا". ففكّرت وقدّرت، ثم فكّرت وقدّرت، إمّا أن لا أعلق علي ما في المقال البتّة، وهو خارج عن المقدور، بل عن المفروض، وإما أن أخاطب أخي وصديقي في الموضوع كما تعودنا أن نتباحث فيما يعنّ لأحدنا في أمر من الأمور أو خاطر من الخواطر. لكن المقال قد خرج إلى حيز الفعل وأصبح مِلكًا لمن يقرأ من الناس، و"الفتوى"التي خلص إليها أخي الدكتور الصاوي أصبحت مرجعًا للمقيمين في أمريكا، ومنهم المتلهّفون على أن يضعوا أيديهم على مثل تلك الفتوى التي تفتح لهم باب ممارسة السياسة في الغرب على مصراعيه، إتكالًا على صحة فهمهم للواقع ودقة استنباطهم للمناط الخاص بفتواهم، خاصة حين تأتي"الفتوى"من عالم فاضل كأخي الدكتور، مرتكزة على ما قرره العلماء في باب المقاصد والسياسة الشرعية. فكان أن آثرت أن أناقش المقال على صفحات المجلة، ليصل إلى قارئيها الرأي الآخر، أو، إن شئت، نقيض الفتوى.

ولمقال الدكتور الصاوى جانبان، أولهما: دراسة خاصة ببعض جوانب"المصلحة"الشرعية، وما يتعلق بها من مباحث في موضوع"مقاصد الشريعة"وما يقدم منها وما يؤخر. وهو بحث طيب، ساقه الدكتور في ترتيب يخدم ما يريد أن يصل إليه من نتائج دون تعسف أو افتعال، وإن كانت هناك بعض نقاط تمس هذا الأمر، لم يتعرض لها البحث بشكل واضح. ثم الجانب الآخر، الذي نزعم أنه لم يُخدم الخدمة التي يستحقها، عن واقع الحياة السياسية في الغرب، وهو ما تستلزمه الدراسة الموضوعية، لتكون مُعينًا للمرء على تعرف ما يجب أن يفعله في مثل تلك النازلة التي يتعرض لها من كتب الله عليه الإقامة في هذه الأنحاء من الدنيا.

وأبدأ بأن ُقدّم لهذا الموضوع بمقدمات أحسبها ضرورية لفهم ما نخلص إليه من نتائج، منها ما هو من قواعد الفهم في الشريعة واستخلاص أحكامها، ومنها ما هو من مسلمات الواقع وأموره البيّنة كما عاناها من عاناها ممن أقام في الغرب.

مقدمات ضرورية:

القاعدة الأولى:"الإجتهاد المتعلق بتحقيق المناط، وهو الذي لا خلاف بين الأمة في قبوله، ومعناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محله"الشاطبيّ في الموافقات ج4ص90.وشرح هذه الجملة أن أي فتوى شرعية - او رأي شرعيّ كما يسميه بعض من لا يحب أن يقال أنه يصدر فتاوى، تورعًا وتقوى حينًا وتهربًا من مسؤليتها أحيانا - أقول: أي فتوى في أمر من أمور الحياة إنما هي مزيج من أمرين: الحكم الشرعي الأصلي، وهو حكم معلق في الهواء لا تعلق له بواقعة محددة، بل هو الحكم في الحالة الأصلية دون تعيين، ثم الواقع الذي يُفتى فيه، أو ما يسميه الأصوليون"مناط الحكم"أي ما يعلق عليه الحكم الشرعي فيصبغ عليه الحياة ويلبسه لباس الحقيقة والواقع. ومثال ذلك أن يقال أن الخمر حرام، فهو حكم شرعيّ أصليّ مجرد لم يتعلق بعد بأي حقيقة أو واقع، فإذا أراد امرئ أن يعرف ما هو حكم شرابٍ بعينه، وجب عليه أن يقوم بأمرين، أن يحلل الشراب حتى يعرف أنه مما يقع بكثيره السكر، ثم، إن ثبت هذا، ضْم إليه الحكم الشرعي بتحريم ما أسكر كثيره، فخلصت الفتوى: أن هذا الشراب بعينه حرامُ. وهذا القدر من الإجتهاد ضروري لا غنى عنه لمن أراد أن يتصدر لفتوى في أيّ من أمور الدنيا.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت