فهرس الكتاب

الصفحة 7748 من 28557

القاعدة الثانية:"درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، وهو ما لم يتعرض لذكره أخي الدكتور في مقاله، ومعنى هذا أن أمرًا من الأمور يظهر أن ما يسببه من ضرر على الفرد أو على الجماعة أكبر من نفعه لهما أو لأحدهما، فيكون تركه أولى من فعله. وهذه قاعدة من أهم قواعد النظر في أصول الشريعة إذ يبنى عليها الإقدام والإحجام في كثير من الأمور عن علم لا عن هوى. فلو فرض أن عملا ما قد قدر البعض ان فيه نفع له أو لقومه وعشيرته، ولكنه في نفس الوقت، سيجلب عليه أو عليهم ضررًا أكبر وأعم، قُدم المنع على الإباحة بلا خلاف.

القاعدة الثالثة: أن المصالح تقدر بحسب تحقق وقوعها أو إحتماله، وبحسب عموميتها وخصوصها، وبحسب وقوعها حالًا أو مآلا. ومعنى هذا أن المصلحة إن كانت ظنية غير متحققة الوقوع، قلل ذلك من الدافع لفعلها خاصة إن تعارضت مع محذور، الظن بوقوعه أكبر من تحققها في نفس الأمر. ومثال ذلك، من واقع حياتنا، أن يريد يرى أحد الناس أن يخرج للتريض في الهواء الطلق في يوم بارد، وهو يعلم أنه يعاني من صدر به حساسية للبرد، فمصلحة التريض قد قوبلت بمفسدة المرض، وفرصة تحقق المرض أكبر كما عانى هذا الرجل من قبل، فينصح بالكف عن التريض. كذلك فإن المصلحة إن كانت تخص عددًا أكبر من الناس كان لها تقدير يختلف عما إن كانت تخص فردًا أو أفراد منهم بالتحديد.

القاعدة الرابعة: المصلحة والمفسدة إن كانت أحدهما مما خفيّ فإن لهما حكمًا، فإن خفيت المفسدة وصعب إدراكها أقدمنا على الفعل لتحصيل منفعته، وإن خفيت المصلحة وصعب إدراكها امتنعنا عن الفعل لدرءِ مفسدته"راجع في هذا الباب قواعد الأحكام في مصالح الآنام للعز بن عبد السلام ج1ص50 وبعدها فهي من روائع ما كُتب فيه"

القاعدة الخامسة:"ليس كل ما يعلم مما هو حق يطلب نشره"الموافقات ج4ص190. وهي قاعدة هامة قعّدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث البخاري ومسلم عن عمر"قال فلا تفعل فإني أخشى أن يتكل الناس عليها فخلهم يعملون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فخلهم"ومثله حديث سلمان مع حذيفة وحديث بن عباس عن عبد الرحمن بن عوف.

ومؤدّى هذه الأحاديث أن من الأمور ما لا يستلزم أن يفتي بصحته، وإن كان صحيحا في ذاته فمن العلم ما يكتم ومن العلم ما يفتى بخلافه لمصلحة متحققة، كما فعل بن عباس رضي الله عنه في فتواه بأنه لا توبة لقاتل حين استفتاه من استشعر منه الرغبة في قتل خصمه.

وخلاصة كل ما ذكرنا أن الفتوى الشرعية محكومة بمتغيرات كثيرة يحسب لها المفتي حسابًا ويقدّر من خلالها مآل ما يفتي به فتأتي فتواه على حسب ما قدّر الشرع في نفس الأمر. فإن صدرت فتوى (أو رأي شرعي لمن يحلو له أن ينجو من أخطار الدخول تحت باب الإفتاء) دون أن يعتبر فيها كل هذه المتغيرات، جاءت الفتوى مبتورة ضررها أكبر من نفعها.

معالم العمل السياسيّ في أمريكا:

نأتي الآن إلى مناقشة الجانب الواقعي من هذه المسألة المطروحة. فالحياة في أمريكا، وفي بلاد الغرب بشكل عام تتميز بتقديم ما هو ماديّ على ما هو معنوي أو خلقيّ. وهذا لا يعني بطبيعة الحال أن القوم قد فرّطوا كلية في الجانب الخلقي من حياتهم، إنما يعني أنهم، أو أكثرهم، يتّبعون القواعد الخّلقية ومعاييرها لأنها تؤدي في غالب الأحيان إلى نتائج أفضل من الناحية المادية الحياتية، وهو ما يطلق عليه المتفلسفون مذهب"النفعية"أو"البراجماتية"وقد يندرج في بعض جوانبه تحت مذهب"الوضعية المنطقية". على كل حال، هذا هو مذهب القوم في الحياة العامة. ثم حين يأتي الأمر إلى ممارسة السياسة، فإن هذه النزعة المادية تتضخم بشكل مخيف، فالأمر أمر أمة من الأمم ومصلحتها العليا، ثم، وهو الأهم، هو أمر مرشح حزب من الأحزاب لا يهمه إلا أن يفوز حزبه بالأغلبية ثم أن يفوز هو بترشيح حزبه مرّات أخر.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت