ـ [أبو عبد الرحمان أمين] ــــــــ [25 - Sep-2010, مساء 06:46] ـ
من كتاب مجالس مع فضيلة الشيخ محمد الأمين الجكني الشنقيطي - رحمه الله -
كتبها تلميذه أحمد بن محمد الأمين بن احمد الجكني الشنقيطي
ص: 40
... وكانت حلقة الشيخ محمد الأمين في المسجد النبوي تكاد تكون الوحيدة به؛ وذلك أن كثرة المدرسين بالمسجد إذا جلس الشيخ في حلقته التحقوا بها للإستفادة , وكان الشيخ قد ذكر في بعض هذه الدروس أن والدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أهل الفترة , وذكر ما يقوله أهل العلم في أهل الفترة.
وحدثني - عليه رحمة الله - أنه استدعاه سماحة الشيخ عبد الله الزاحم إلى منزله , فلما حضر رحب به وأوسع له في المجلس إلى جنبه، وكان مجلسه ذلك الوقت ليس به إلا المنتسبون للعلم , وكان بين أيديهم كتاب فيه مرجع.
قال الشيخ محمد الأمين: فلما انتهى التسليم ناولني الشيخ عبد الله الزاحم الكتاب، فإذا هو شرح النووي على صحيح مسلم والمرجع فيه عند حديث"إن أبي وأباك في النار".
فقلت: هذا الحديث كنت أعرفه!
قال سماحة الشيخ عبد الله الزاحم: إنك قبل أيام قلت في الدرس كذا، لما قرر من أنهما أهل فترة.
قال شيخنا: قلت: نعم، قلت ما قلت اعتمادًا على نص من كتاب الله القطعي المتن وقطعي الدلالة، وما كنت لأرد نصًا قطعي المتن قطعي الدلالة، بنص ظني المتن وظني الدلالة عند الترجيح بينهما، فهذا الحديث خبر آحاد، ومثله حديث أبي هريرة-رضي الله عنه- عند مسلم:"استأذنت ربي لأزور أمي فأذن لي، واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي"، ولكن أخبار الآحاد ظنية المتن، فلا يرد بها نص قرآني قطعي المتن، وهو قوله تعالى:"وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا" [الإسراء:15] ؛ أي: ولا مثيبين.
وهذا النص قطعي الدلالة لا يحتمل غير ما يدل عليه لفظه بالمطابقة، بخلاف حديث:"إن أبي وأباك في النار"؛ فإنه ظني الدلالة؛ يحتمل أنه يعني بقوله:"إن أبي"عمه أبا طالب؛ لأن العرب تسمي العم: أبًا، وجاء بذلك الاستعمال كتاب الله العزيز في موضعين:
أحدهما: قطعي المتن قطعي الدلالة، وهو قوله تعالى في البقرة:"قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ" [البقرة:133] ، وإسماعيل عمه قطعًا؛ فهو يعقوب بن سحاق بن إبراهيم.
والموضع الثاني: قطعي المتن لكنه ظني الدلالة، وهو قوله تعالى:"وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ"إلى أن قال:"وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا" [الأنعام:84/ 86] ؛ فهو نص قرآني على أن إبراهيم يطلق عليه أبٌ للوط، وهو عمه على ما وردت به الأخبار، إلا أن هذا النص ظني الدلالة لأنه يحتمل أن يكون الضمير من قوله تعالى:"وَمِن ذُرِّيَّتِهِ"يرجع إلى نوح، لأنه قال في الآية من قبل ذلك:"وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ"، ولكنه احتمال مرجوح؛ لأن الكلام عن إبراهيم.
وإذًا فإنه يحتمل أنه -صلى الله عليه وسلم- لما سأله الأعرابي بقوله: أين أبي؟ وقال له: إن أباك في النار وولّى والحزن باد عليه، فقال -صلى الله عليه وسلم-:"ردوه علي"فلما رجع قال له:"إن أبي وأباك في النار".
يحتمل أنه يعني بأبيه: أبا طالب؛ لأن العرب تسمي العم أبا لا سيما إذا انضمّ إلى العمومية التربية , والعطف والدفاع عنه.
ثم قال: والتحقيق في أبوي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنهما من أهل الفترة؛ لأن تعريف أهل الفترة أنهم القوم الذين لم يدركوا النذارة قبلهم , ولم تدركهم الرسالة التي من بعدهم , فإذا كان ذلك كذلك , فإن والد النبي -صلى الله عليه وسلم- التحقيق أنه مات والنبي - بأبي وأمي هو - حمل في بطن أمه , وأمه -صلى الله عليه وسلم- ماتت وهو ابن ستة أعوام بلا خلاف؛ وإذًا فإنهما من أهل الفترة.
فقال أحد الحضور: العرب كانوا على دين إسماعيل فعندهم نذارة أدركوها.
فقال له الشيخ الأمين: هل أنت على بصيرة مما تقول؟ فقال نعم.
(يُتْبَعُ)