فهرس الكتاب

الصفحة 12839 من 28557

ـ [وراء الشمس] ــــــــ [04 - Dec-2008, صباحًا 07:24] ـ

حين اتصل بي وقَّادُ المواجهات الصحفيَّة الصَّديق المحبُّ عبد العزيز قاسم، طالبًا التعليقَ على لقائه مع أخينا الأكبر د. محمد الأحمري بجريدة عكاظ، توقعتُ سلفًا أني سأقرأ هجومًا عشوائيًا، وعباراتٍ منفعلةً، تفتقر للموضوعية والاتزان، فضلًا عن العدلِ والإنصافِ في التعامل مع المخالفين .. فهذا ما اعتدناه من أخينا أبي عمروٍ -عافاه الله-

وقد حصل ما توقَّعته ... فأبو عمروٍ لم يخيب ظنوني كما هي عادته.

وقد رأيته يهاجمُ الذين يرفضون"الديمقراطية"، لأنهم -في رأيه- يخالفون الأنموذج النبويَّ وعمل الصحابة في الثقة بالمجتمعات المسلمة ... قرأتُ هذا، فتساءلتُ كيفَ يثق أبو عمروٍ بتلك المجتمعاتِ التي يصرُّ على وصمها بالوثنية؟!

غير أن من الجميلِ ما أعلنه الآن من أن الديمقراطية، فيها"مصائب لا يشكُّ فيها عاقلٌ طرفةَ عينٍ". فالوصولُ إلى مثل هذا المستوى من التقرير الواضح مكسبٌ لا بأس به. وإذا جمعنا هذا مع ما سبقَ أن أشارَ إليه أبو عمروٍ في مقالته الأصل، من أن (الديمقراطية) وثنيةُ جماهير، لكنَّها أهون من وثنية"الفرد"المستبد. إذا جمعنا هذا مع ذاك، فقد اتفقنا الآن على أن الديمقراطية: وثنيةٌ تشتملُ على مصائب لا يشكُّ فيها عاقلٌ طرفة عينٍ.

وأنا على يقينٍ أن دين الإسلام لا يقرُّ الوثنياتِ أيًا كانَ نوعها، وأن الأنموذج النبويَّ يترفَّعُ عن أيِّ لونٍ من ألوانها. أما أبو عمروٍ فمن رأيه أن الأمةَ مخيرةٌ بين وثنيتين، إحداهما تناقض الإسلام و الأنموذج النبويَّ، و الوثنيةُ الأخرى توافقهما تمامَ الموافقة! والتوافق بين تلك الوثنية وبين دين الإسلامِ واضحٌ لدرجةِ ألا يشك فيه إلا"السُّخفاء والضُّعفاء والجهلاء والأميين من أصحاب الشهادات"!

قرأتُ لقاء أبي عمروٍ بجريدةِ عكاظ، ثم اندفعتُ لكتابةِ تعليقٍ مطوَّلٍ أخذ من وقتي الكثير ... غير أني حين أعدتُ قراءته، وجدت قلمي قد انساق وراء لغة أبي عمروٍ الهائجة، فمحوتُ أكثر ما سودته، لما تذكرتُ أني أتحدثُ عن فاضلٍ صادقٍ غيورٍ، لكن مهارته في كسبِ عداواتِ إخوانهِ، لا يوازيها إلا قدرته الفائقة على الإساءة لقضيته.

وقد رأيتُ الأستاذ عبدالعزيز قاسم يسأله عن حدةِ كلماتهِ وعباراته القاسية. فأجابَ أبو عمروٍ بأن العيبَ ليس فيه هو، بل في أولئك المثقفين الذين لا يحتملون صراحةَ الحق!

فمن الواضحِ أن أبا عمروٍ لم يشعر إلى الآن بخطئه الأدبيِّ، فهو يرى أن المشكلة ليست فيه، بل في أولئك المثقفين الذين لا يتمتعون بالأريحيةِ، و لا تتسع صدورهم لقبول عبارات من جنس:"سخفاء، وجهلاء، وضعفاء، وأميون من حملة الشهادات ... إلخ".

فاللهم اغفر لأبي عمروٍ، و اجعل قذائفه العشوائيةَ حوالينا ولا علينا.

أينَ المشكلة في هذه الجملة:

(الديمقراطية فيها جوانب رئيسة تناقض نظام الحكم في شريعةِ الإسلام. لكن حيث يعيش المسلمون في ظلها، فلا حرج عليهم في المشاركة فيها، دفاعًا عن حقوقهم) .

كلامٌ واضحٌ يدركُ معناه الصِّغار قبل الكبار، باستثناء حبيبنا الثائر بلا بوصلةٍ د. محمد الأحمري الذي خلطَ بينَ البحثِ في تقييمِ النَّظامِ ومدى موافقته للشرع، و بين الحديثِ عن الحاجة للمشاركة فيه بصفته واقعًا قائمًا لا مناصَ منه.

وغموضُ هذه النقطة بالنسبة لأبي عمروٍ لم يكن بسبب قصورٍ في الفهم و الإدراك. بل بسبب تلك الآذان المقفلة التي تأبى السَّماعَ، حتى كادت تتحول إلى لسانٍ آخر، يساند اللسان الأصليَّ في هجاء"السلفية"الرجيمة، و تحقير الوثني الضَّال"أستاذ العقيدة".

المسلم قد يعيش تحت مظلة دولةٍ مسلمة. و قد يعيش -أيضًا- في ظل دولةٍ كافرةٍ، وقد يحكمه نظامٌ ديمقراطيٌّ ليبراليٌّ، أو نظام عسكريٌّ متسلطٌّ، أو نظام ملكيٌّ وراثيٌّ فاسدٌ، أو غير ذلك من صور الحكم .... فكيفَ يتعامل مع هذه الأنظمة؟

هل يهجرها ويعتزلها؟

أو يشارك فيها، ويتعامل معها بما يحقق مصالحَ المسلمين ويخفف المفاسد والشرور؟

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت