فهرس الكتاب

الصفحة 12840 من 28557

مسألةٌ مشهورةٌ معروفةٌ يكثر السؤال عنها. وقد كان الشيخان ابنُ بازٍ وابنُ عثيمين -رحمهما الله- يفتيان بالمشاركة إذا رجيت في ذلك مصلحةٌ راجحةٌ. لكنْ هذا شيءٌ والحديث عن موافقة تلك الأنظمة لشريعة الإسلام شيءٌ آخر. غيرَ أن حبيبنا أبا عمروٍ حين تركَ التروِّي وراء ظهره، و اختار الهجومَ الكاسحَ الأحمر، خلط بين المسألتين خلطًا عجيبًا، فوجَّه فوهةَ مدفعه نحو المتلاعبين المتناقضين من"متسلفةِ زمانه"الذين ينتقدون الفكرةَ الديمقراطية، ثم هم يحثُّونَ على المشاركة في انتخاب حزب الإصلاح في اليمن، أو جبهة الإنقاذ في الجزائر.

وأطرفُ ما رأيته في كلامه قوله: إن نُقادَ مقالته عن الديمقراطية، (قد تنكَّروا للشيخ ابنِ باز حين أصدر تأييده للمشاركة في مجلس الأمة الكويتي) !!

ففي رأي صاحبنا أبي عمروٍ أن الشيخَ ابن بازٍ حين أيد المشاركة في مجلس الأمة الكويتي، كان ينطلقُ في موقفه ذاك من إيمانٍ عميقٍ بالديمقراطية! فهو إذن موافقٌ لأبي عمروٍ، وبالتالي فإن من ينتقد أبا عمروٍ، يكونُ قد تنكَّر للشيخِ ابنِ بازٍ -رحمه الله-!

ولم ينسَ أبو عمروٍ بعد هذا الاستنباطِ البارعِ، أن يدبِّجَ المديح للشيخِ بصفته"أبرز رجال السَّلفية منذ قرونٍ و أوعاهم بالمقاصد العملية أو"البراجماتية"للشريعة".

ورغمَ ضيقي من لغة الحبيبِ أبي عمروٍ المستفزةِ، إلا أنَّ هذه الفقرةَ من كلامه انتزعت مني ابتسامةً ودعواتٍ للشيخِ ابن بازٍ -رحمه الله-. فجلالةُ ذاك الإمامِ في النفوسِ لازالت مركبًا مفضلًا لمن يريدُ إسنادَ آرائه.

وقد قرأتُ للكثيرين وهم يحاولون إلصاق آرائهم الخاصة بالشيخِ في مسائل فرعيةٍ يمكن أن يخفى فيها رأيُ الشيخ. لكني لم أتوقَّعْ قطُّ أن أسمعَ أو أقرأ لأحدٍ يزعم أن الشيخ كان مؤمنًا بالديمقراطية! و أنا على يقينٍ من أنَّ أبا عمروٍ لو عرفَ الشيخ حقَّ المعرفةِ، ثم استخدم معه موازينه الجائرة، لجعله إمام الوثنيين في هذا الزمان، ولأعادَ النظر في تقييمه لوعي الشيخ بالمقاصد الشرعية!

و أسوأ من الالتصاق بابنِ بازٍ، الالتصاق بالصحابي الجليل عبدالله بن عمر -رضي الله عنه-، ونسبته للإيمان بالديمقراطية. فأخونا الأكبرُ أبو عمروٍ لما سُئل عن وصفه ما سوى الديمقراطية بالوثنية، أجاب بأنه أخذ ذلك من وصف ابنِ عمر للنظام المتوارث بالكسروية والقيصرية. و ذكر أنه إن كان أخطأ في هذا، فخطؤه من خطأ ابنِ عمر، فعلى معارضيه أن يوجِّهوا نقدهم لابن عمر.

ففي رأي صديقنا أبي عمروٍ أن ذمَّ ابنِ عمر للحكم المتوارث، يعني أن ما سوى الديمقراطية وثنية!! مع أن من المؤكد أن الديمقراطية ورأي الأغلبية لم يخطرا ببالِ ابنِ عمرَ -رضي الله عنه- وهو يذمُّ النظام الوراثي.

فإن كانَ صاحبنا أبو عمروٍ سينازعُ في هذا، ويصرُّ على أن ابنَ عمرَ كان يشير للديمقراطية حين ذمَّ النظام الوراثي، فأحبُّ أن أذكِّرَ بأنَّ ابنَ عمرَ مع ذمِّهِ للنظام الوراثي، إلا أنه كان خاضعًا له، مقرًا بشرعيته حين أصبح أمرًا واقعًا. لكن مع خضوعه، كان ناقدًا معارضًا لمظاهر الفساد بلسان الناصح المشفق، وليس الثائر دون منهجٍ.

فابنُ عمرَ بخضوعه هذا، سيكون بموجب موازين أبي عمروٍ وثنيًا أصيلًا، ذلك أنه كان أحد أشهر المقرِّينَ ببيعةِ يزيدَ بنِ معاوية، و كلامه مشهورٌ في نهى الناس عن التمرُّدِ عليه. و لما قامَ أهل المدينة لخلعه، جمعَ ابنُ عمرَ بنيه وخَدَمه وقال:"أما بعدُ، فإنا بايعنا هذا الرجلَ على بيعِ الله ورسوله ... وإني لا أعلم أحدًا منكم خلعه، ولا تابع في هذا الأمر، إلا كانت الفيصل بيني وبينه".

فليضف أبو عمروٍ عنده وثنيًا آخرَ من خيارِ صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم-!

وإن أراد المزيد من الوثنيين من الصحابةِ الكرامِ، فهناك المزيد ...

لكنْ صديقنا أبو عمروٍ لا يشعر ...

وقد رأيته -أصلح الله باله- بعدما أفرغ شحناته واحتقاناته في وجه إخوانه رأيته يقول:"الذي أتمنّاه مرةً أخرى أن يطالبوا أنفسهم بعدم التهجُّم على ما لا يحسنون. كما أطالب نفسي أولًا".

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت