فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وكم أتمنى لو أن أبا عمروٍ -بالفعل- يلتزم هذا النهج .. لكنَّه لا يفعل. فأستاذُ العقيدةِ المسكين يشكو تسفيهات أبي عمروٍ له في فنِّه وتخصُّصِه. وأساتذة الفقه يتساءلون عن الفنِّ الذي أتقنه أبو عمروٍ حين طالبهم بالتخلي"عن ثقافةٍ ليست شرعيةً إسلاميةً ولا واقعيةً, بل مجرَّد تراث تاريخي يتوقَّعونه إسلامًا، وليس كذلك".
و الجميعُ يتساءلون عن الفنِّ الذي أحسن أصوله أبو عمروٍ حين أعلنَ أن"التكافؤَ الإنسانيَّ مطلبٌ بشريٌّ نادى به الإسلام". فهذا مبدأ ليبراليٌّ صِرفٌ يعلمُ أهل الفقهِ ألا وجودَ له في شريعةِ الإسلام التي تمتلئ أحكامها بالتمييز بين المسلمِ وغيره في الحقوقِ والواجبات، مما يسمَّى في لغة الديمقراطية الليبرالية"تمييزًا عنصريًا"منافيًا للتكافؤ الإنساني.
فلا أظنُّ أن من التكافؤ الإنساني جعلُ دية المسلم ضعف دية الكافر.
ولا أحسب أن من التكافؤ الإنسانيِّ أن تباح الكتابيةُ للمسلم، في حينِ يعتبر زواج الكتابي بالمسلمة جريمةً يعاقَب عليها بالقتل، حتى لو وقعت برضا الزوجين و موافقة أهليهما.
و ليس من التكافؤ الإنساني أن يقتصَّ من الكافر إن قتلَ مسلمًا عمدًا، في حين تكونُ عقوبةُ المسلمِ أقلَّ إن قتل الكافر عمدًا.
ولا أظنُّ أن من التكافؤ الإنسانيِّ قبولُ شهادةِ المسلم على الكافرِ في القضاء، في حين لا تقبل شهادة الكافر على المسلم.
وعلى مستوى الأسرةِ، لا يتفق التكافؤ الإنساني مع الحكمِ بكون الأب المسلمِ أحقَّ بحضانةِ الأولاد من أمِّهم النصرانية، لمجرد كونه مسلمًا.
هذه الأحكامُ لها نظائرُ كثيرةٌ جدًا في شريعة الإسلام يطول تتبعها. وهي مبنيةٌ على مفاهيم إلهيةٍ ساميةٍ يقصر عنها ذاك النظام المبني على التكافؤ الإنساني، والذي يوصف الآن بأنه"المثال الأعلى للحكم".
و أنا حين أتحدَّثُ عن شرورِ الديمقراطية الغربيةِ، فليس لأنها الآن تطرقُ أبوابنا وتكاد تنشرُ علينا رحمتها المتوهَّمة. بل لأني رأيتُ بعينيَّ كيف عملتْ عملها في تسميمِ عقولِ الكثير من أهل الإسلام، فحملتهم على التنكر لأحكام دينهم، ومعاداة شرعة ربهم، حتى انحط بعضهم لمرتبة الازدراء بشريعةِ الإسلام.
تخاطب بعضهم، فيقول أولَ الأمرِ إنه يقصد ديمقراطيةً مقيدةً بالشرعِ كما يقولُ حبيبنا أبو عمروٍ الآن. وعند المحاققة و التدقيق لا تجد إلا شرعًا مقيدًا بالديمقراطية الليبرالية. ليس لأن القائل كاذبٌ في دعوته لديمقراطية إسلامية، بل لأنه لا يدرك مدى واقعية ما يدعو إليه.
فمثلًا نحن رأينا أبا عمروٍ لما سئلَ عن نوعِ الديمقراطية التي يدعو إليها، أجاب بأن"بأنَّ كلَّ انتخاباتٍ في بلادٍ إسلاميةٍ أو غيرها فغايتها حكمُ الشعبِ بما يدينُ به الشعب". و سوف أتجاوز عن هذا الإطلاق -مع مافيه-. لكني أريد أن أكملَ الصورةَ وأقول لأبي عمروٍ: إن الأغلبية التي ستختار الشريعة حكمًا، سوف يقابلها أقلية ترفضها ... فهل يعرفُ أبو عمروٍ حكمَ من يرفض الحكم بالشريعةِ في دين الإسلام؟!!
الذي يرفض حكمَ الشريعة ويطالبُ صراحةً بتنحيتها يكون مرتكبًا لخيانةٍ عظمى و جريمةٍ كبرى، و قد انطبقَ عليه وصف الردةِ عن دين الإسلام. وبالتالي فإن حكمه السيف بعد الاستتابة.
فهل يمكن أن يوجَد نظامٌ ديمقراطيٌّ يفتح بجوار البرلمان ساحة عدلٍ لتصفية المعارضة بعد التصويت؟!
الذين ينادون بديمقراطية مقيدة بالشرع، لا يستحضرون أن الشرع الذي يتحدثون عنه ليس أحكامًا معدودةً على الأصابعِ كما هو حال الديانة النصرانية أو اليهودية. بل هو قانونُ حياةٍ كاملٍ ينتظم شؤون الناسِ في ممارساتهم اليومية الخاصة والعامة.
فالغربيون اتخذوا من الديمقراطية وعاءً لليبراليتهم، وإن شئتَ فقل العكس. و لو أرادَ المسلمون أن يصبُّوا إسلامهم في ذلك الوعاء، فسوف يتحطم الوعاء لا محالةَ، إلا إن اختار المسلمون تحريف دينهم وتبديلَ أحكامه.
(يُتْبَعُ)