ـ [عزام عز الدين] ــــــــ [30 - Oct-2008, صباحًا 07:05] ـ
مطلوب 'نجّارين' لحصان طروادة
د. أحمد خيري العمري- جريدة القدس العربي
يُحكي في الاسطورة الاغريقية، أن الإغريق وبعد حصار طويل دام عشر سنوات لمدينة طروادة، أشرفوا على اليأس من جدوى الحصار وقرروا الانسحاب، الا أن اوليس، احد قادتهم، قرر اللجوء الى الحيلة، فقام ببناء حصان خشبي ضخم .. وتظاهر بالانسحاب هو وجيشه .. تاركا خلفه الحصان الخشبي، عندها فرح الطرواديون بأنسحاب الإغريق، وتصوروا ان ضخامة الحصان الخشبي قد منعت الإغريق من سحبه، وأعتبروه غنيمة صمودهم، وأدخلوه المدينة وسط طقوس انتصار غامرة.
و في الليل، وبعد انتهاء الاحتفالات، خرج الجنود الإغريق من مكمنهم داخل الحصان الخشبي المجوف، وفتحوا الأسوار، حيث كان زملاؤهم بأنتظار ذلك، واقتحموا المدينة وأعملوا السيف في أهلها.
لا شيء ـ تاريخيا- يدل على وقوع هذه الحادثة، لكن نسخًا معاصرة، بتنويعات مختلفة، لا تزال تحدث اليوم .. لا أقصد ذلك الفيروس الفتّاك المنتشر عبر الشبكة والذي يقضي على الحواسيب،
والذي يحمل ذات الاسم .. بل اقصد شيئًا آخر تمامًا. ذكرني بذلك كله إعلان مدفوع الثمن نشر في جريدة إعلانية تصدر في عاصمة عربية، الإعلان يطلب 'باحثين في الفكر الإسلامي' .. الإعلان غريب طبعًا، فنحن لم نتعود إعلانات كهذه، أو حتى قريبة منها، ويندر أصلًا أن يكون هناك إعلان عن كتاب جديد، أو عن أي شيء ثقافي، غالبًا تكون هناك إعلانات عن مساحيق تنظيف جديدة، عن أدوية للتخلص من السمنة، عن سيارات بالتقسيط، وعن منزل أحلام بقروض لا تُقاوم .. عن خادمة آسيوية هربت من منزل مخدومها .. ولكن، ليس عن 'الحاجة إلى باحثين في الفكر الإسلامي .. '.
الإعلان غريب إذن .. غريب لدرجة مريبة، صحيح أن الفكر الإسلامي بحاجة ماسّة وطارئة إلى باحثين ومجددين، لكن الأمر لا علاقة له أبدًا بإعلان عن 'وظائف شاغرة' في جريدة إعلانية، فالباحث الجاد الحقيقي في الفكر الإسلامي لا يتم اصطياده أبدًا عن طريق الإعلان عن 'وظائف شاغرة' لأن البحث الجاد يعيش في دمه .. في كيانه .. وهو ليس بحاجة إلى من 'يدفع له' كي ينتج بحثًا جادًا.
لنترك سوء الظن جانبًا، ولنتمسك بحسن الظن .. ربما هناك مجلة فكرية جادة تريد نشر بحوث لدماء جديدة في الفكر الإسلامي .. ربما .. لِمَ لا؟ رغم أن الأمر سيتم غالبًا عبر شبكة من العلاقات والاتصالات ـ وليس عبر الإعلان التجاري.
دعونا مجدداُ من سوء الظن، دعونا من نظرية المؤامرة، أحدهم نشر إعلانًا ما لباحثين في الفكر الإسلامي .. والمسألة في النهاية عرض وطلب .. لِم علينا أن نكبر الموضوع؟ ربما هو واحد من امراء هذا الزمان، وهو مهتم شخصيًا بالثقافة وبالفكر الإسلامي، ويريد أن يكّون نواة من باحثين شباب لنهضة يحلم بها .. لنهضة يريدها لبلاده ولمجتمعه، ويريدها أن تتأصل وتتأسس عبرالفكر الإسلامي، لعله التفت يمينًا وشمالًا فلم يجد من الأسماء المعروفة من يمكنه أن يفعل ذلك، أو أنه تصور ذلك على الأقل، فقال لمساعده الشخصي، الذي لا علاقة له بالثقافة والفكر الإسلامي على الإطلاق، أن يبحث له عن باحثين في الفكر الإسلامي .. ولأن هذا المساعد خبير في تلبية طلبات من نوع آخر! فإنه لم يجد غير الإعلان في الجريدة كوسيلة لجلب 'باحثين في الفكر الاسلامي'.
ربما .. وربما لا أيضًا .. كل سيناريوهات حسن الظن واردة هنا .. والمهم هو التمسك بها .. المهم هو أن لا نظلم الجهة التي تكبدت مشقة وعناء دفع المبلغ المستحق، فنحن شكّاكون ومعقدون بطبيعتنا ولدينا 'إرساءات' سلبية عن كل ما هو إيجابي، ونظرية المؤامرة - لعنها الله-تجري منّا مجرى الدم.
تسلّح بعض الشباب من الباحثين بحسن الظن. وكانت لهم وساوسهم طبعًا، ولكن ذلك طبيعي فقد ولدوا ونشأوا في بيئة موسوسة، وعليهم أن يتخلصوا من كل ذلك الموروث السلبي .. وكان اتصالهم بجهة الإعلان بحد ذاته خطوة إيجابية 'محمودة' ..
(يُتْبَعُ)