فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
اتصال بعد اتصال .. ولقاء بعد لقاء .. والأمر لم يتوضح بعد، على الأقل ليس لمن ذهب من أولئك الشباب .. لكن لا بأس .. لا داعي لسوء الظن مرة أخرى .. سوء الظن سيئ .. سوء الظن سلبي .. من قال إن 'المُمّول' الذي قد دفع الإعلان يريد أن يكشف عن نفسه. ربما يريد أن يظل فاعلًا مجهولًا للخير لا تعرف شماله ما تنفقه يمينه. من قال إن الجهة الراعية يجب أن تكشف عن نفسها وعن مؤسسيها من الجولة الأولى؟
سترشح أشياء قليلة خلال هذه اللقاءات لكنها مغرية بما فيه الكفاية لأولئك الشباب، هناك وعد ليس بنشر بحوثهم وطباعتها فحسب، بل وبالترويج لها أيضًا .. وكل من دخل مجال النشر يعرف أهمية 'الترويج' ـ وكم يعني بالنسبة للكاتب، خاصة الشاب. هناك وعد أيضًا بمكافأة مالية، ووعد 'غامض' عن الاستعداد لنشر البحث وترويجه دون أن يحمل شعار المؤسسة 'أي لكي لا يحترق الكاتب الشاب إذا ثبت احتراق المؤسسة الداعمة! '.
هل كل هذا لوجه الله؟ سنسأل مرتبكين .. لكن، إنها أفكارنا السلبية مرة أخرى هي التي تطرح الأسئلة .. لِم لا يكون كل هذا لوجه الله تعالى، أم إننا لا نتوقع خيرًا من أحد على الإطلاق؟
سيناريوهات حسن الظن لم تسقط تمامًا إذن .. رغم وجود سؤال محوري في تلك اللقاءات، يدور بطريقة أو بأخرى، حول التعمق، بمنهج أحد أدعياء التجديد الديني المعروفين.
في النهاية، وبعد سلسلة من اللقاءات، لن ينتهي الأمر عند بلاط الأمير الافتراضي، فأمراؤنا على ما يبدو ليسوا مهتمين بالنهضة حتى اللحظة، ولن ينتهي الأمر عند مجلة جادة تريد دماءً جديدة في الفكر الإسلامي من شباب غير معروفين، بل سينتهي عند ذلك الاسم تحديدًا، الذي كان قد طرح في اللقاءات، أي اسم أحد أدعياء التجديد: سيتضح إنه صاحب المؤسسة التي تطلب الباحثين الشباب، والتي ستدفع لهم، وتطبع لهم، وتروج لهم أيضًا.
لكن لم يفعل ذلك؟ أليس ذلك غريبًا نوعًا ما، أن يتحول من كاتب إلى صاحب دار نشر (تغامر) بنشر أعمال لكتاب غير معروفين، وتم طلبهم عبر إعلان عن وظائف شاغرة؟!
لم لا؟ .. لعله صاحب قضية، صاحب مشروع، ومستعد أن يغامر بكل شيء لينشر ما يسند مشروعه هذا .. لم سوء الظن إذن؟
حسنًا .. سنوافق على ذلك ونعوذ بحسن الظن من التشكيك بالرجل .. قد نختلف معه في أفكاره وفي منهجه،، لكن اتهامه واتهام نيته أمر مرفوض، هل نرفض 'قبول الآخر' والعياذ بالله، وهذا الكاتب هو 'آخر'، وعلينا أن نقبله ونحترمه ولا نشكك في نيته حتى لو قال كل ما قال وأكثر ..
حسنًا .. سؤال آخر، من أين جاءت الأموال؟ المؤسسة المذكورة ليست مكتبا محليا على الاطلاق، أي أنها ليست 'دكانة الحي' ويمكن تدبير مصاريفها بسهولة، بل هي مؤسسة لها مكاتب في عاصمتين عربيتين (ليس أي منهما في العاصمة التي ينتمي لها صاحب المؤسسة!) .
رجعنا لسوء الظن؟ الرجل له اتباعه وقسم منهم أثرياء، ربما تبرعوا له بالأموال .. ربما الأموال هي امواله أصلا .. لو تمسكنا بحسن الظن لوجدنا عددا لا ينتهي من الاحتمالات التي تفسر لنا هذا ..
لكن هناك سيناريو آخر. أكثر واقعية، وأكثر احتمالًا .. رغم أنه يحيد عن 'حسن الظن' .. ذلك أنه من الصعب جدًا التصور بعدم وجود 'ربط' واضح وقوي، بين هذه المؤسسة التي تعلن عن وظائف فكرية شاغرة، وبين حقيقة أن الرجل الذي على رأس هذه المؤسسة، قد ذُكر اسمه صراحة في التقرير الأخير لمؤسسة 'راند'، باعتباره نموذجًا من الفكر الإسلامي الذي يجب دعمه ..
الأمر إذن ليس نظرية 'مؤامرة'! بل هو الأمر الواقع الموثق بالأسماء والأرقام .. إنه 'حصان طروادة' الذي تحاول مؤسسة 'راند' من خلاله نقل المشروع التغريبي الليبرالي إلى مرحلة جديدة، عبر وضع صبغة إسلامية عليه، صبغة تسهل مروره عبر أسوار كانت قبلها حصينة وممانعة ..
الجديد في النسخة المعاصرة من 'حصان طروادة' أن إغريق هذا الزمان، لم يكترثوا كثيرا لأخفاء أمر الحصان، لم يعتبروه خطة سرية لتمرير خداعهم .. على العكس، إنهم يصرحون علنا بتفاصيل خطتهم .. وينشرونها عبر تقارير موثقة على الشبكة ويمكن تحميلها مجّانا من مواقعهم، بل ويفصحون عن اسماء النجّارين من اهالي طروادة الذين سيساهمون في بناء الحصان الذي سيخترق بالخديعة أسوار طروادة .. وهؤلاء بدورهم يعلنون في صحف طروادة عن الحاجة الى 'نجّارين ' صغار للمساعدة ..
أما أهالي طروادة المعاصرة فهم أما نيام نوما تاريخيا، أو انهم منشغلون بقضايا أخرى، أو أنهم مثل أهالي طروادة الاصليين، حسني الظن لدرجة تجعلهم لا يرون في حصان طروادة الا هدية أو غنيمة من الاعداء ..
حصان طروادة على الأبواب إذن، يمكن لنا أن نحسن الظن به، كما فعل أهل طروادة، ونثبت مرة أخرى، إن حسن الظن، أحيانا على الاقل، هو من سوء الفِطَن.