فهرس الكتاب

الصفحة 11748 من 28557

ـ [عزام عز الدين] ــــــــ [17 - Oct-2008, صباحًا 07:14] ـ

التعايش 'الممكن' والتقريب 'المستحيل'

د. أحمد خيري العمري- القدس العربي http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=today\16g80.ht m&storytitle=ff التعايش%20'الممكن '%20والتقريب%20'المستحيل' fff&storytitleb= د. أحمد%20خيري%20ال عمري& storytitlec=

لا نذيع سرًا إذا قلنا إن الناس تجاوزت 'عدم التعويل' على مؤتمرات الحوار والتقريب بين المذاهب، لتصل إلى حد سوء الظن بها، وبالمتحدثين فيها، والداعين إلى انعقادها، بل وحتى الحاضرين فيها ..

سوء الظن هذا، ليس ناتجًا فقط عن تراكم تاريخي من التجارب الفاشلة، بل هو يتجاوز ذلك إلى تصور سائد أن المتحدثين في منابر التقريب أنفسهم، غير مؤمنين بما يقولون، وإنهم إنما يقولون ما يقولون فقط من أجل الظهور بمظهر تمليه ظروف معينة. فمعظم ما يطرح من خطب على تلك المنابر، يعده المتلقون، الذين يفترض أن الخطاب موجه إليهم، من قبيل تقبيل اللحى، في انتظار فرصة سانحة لنتف اللحى والقضاء عليها.

نادرًا ما تجد أحدا يصدق أن المتحدثين على هذه المنابر يتحدثون بالمنطق التقريبي نفسه في مجالسهم الخاصة وأمام مقربيهم. والامر لا يخص فقط الطرف الذي مارس تاريخيا إبطان غير ما يظهر في القول، وعد ذلك جزءا اساسيا من عقيدته، فيما يعرف بالتقية (عند الشيعة) ، فالطرف الآخر (السني، او على الاقل الجزء السني من عملية التقريب) صار يفعل ذلك ايضا و ان لم يدخل ذلك في عقيدته و فقهه.

هل المشكلة في سوء ظن مبالغ به من قبل الجمهور الذي ركب وعيه - ولا وعيه! - بطريقة سلبية تسيء الظن بأي عمل إيجابي؟ أم أن المشكلة أعمق من ذلك - وتصل إلى التقريب نفسه؟ هل هو أمر إيجابي، أم أنه محض تغطية سلبية يحاول من يحاول عبرها أن يعمي أبصارنا عن مشاكلنا الحقيقة وجذورها وأسبابها وأعراضها؟ هل التقريب يحاول أن يوجه جهودنا إلى حيث يجب أن تكون؟ أم إنه يشتتها ويضيعها في مؤتمرات (أكل وشرب وشم هوا) وبيانات ختامية تصور أن على الأرض السلام وفي الناس المسرة، وأن خلاف 14 قرنًا لم يكن سوى اختلاف عابر وسطحي في وجهات النظر و مجرد خلاف في الاجتهاد؟

بعض أدبيات 'التقريب' تتنافس في السذاجة بطريقة غريبة جدا.هل يمكن أن نصدق أن الحل يكمن في إيراد شجرة نسب تصور المصاهرات بين أكابر الصحابة وأهل البيت؟ - علمًا أن الطرف المعني بالموضوع له تفسير معين لهذه الزيجات لن يناسب مزاج التقريبيين واتجاهاتهم - أو إيراد قائمة بأسماء معينة (من نوع أبي بكر وعمر وعثمان) في أولاد علي والحسين - كما لو أن هذه الأسماء كانت نادرة جدًا وقتها- هذه التفاصيل الصغيرة، حتى لو صحت، فإنها لن تلغي حقيقة وجود خلافات في فترة مبكرة ومؤسسة من تاريخ الأمة. إن معاركَ وخلافات شكلت أركانًا وزوايا داخل العقل الجمعي لا يمكن أن تمحى بالقول أن فلانًا تزوج من فلانة، أو إنه أطلق اسمًا معينًا على ابنه.

بالمنطق السطحي نفسه، فإن شقة الخلاف الموجودة بين الطرفين، والتي تكاد تمس رؤية كل طرف للعالم ولدوره في هذا العالم، هي أبعد من أن تحذف، أو تختصر لتكون مثل 'المسافة الموجودة بين المذاهب الأربعة' - كما يدعي البعض ـ أو أن يكون' مذهبًا خامسًا' كما يقول بعض آخر، رغم أن الأمر أعمق من ذلك وهو لا يمس الأصول فحسب، بل يخترقها اختراقا، فكل أصل من أصول الفقه يختلف في اتجاهه ومعناه بين الفريقين، ومن ثم في رؤية كل طرف للعالم ولدوره في هذا العالم. أي 'تجديد' لهذه الرؤية - سيكون محكومًا بهذه الأصول الأساسية، وأي تجديد لهذه الأصول سيكون محكومًا بمنظومة داخلية - لن تجعله 'أقرب' إلى الطرف الأقرب بالضرورة، بل ستجعله مختلفًا فحسب.

وهكذا فإن أي حركة تقريب، لو افترضنا نجاحها، وجدية أصحابها، لن تقرب بين المذاهب فعلًا، بقدر ما ستنتج مذهبًا جديدًا - بأصول ومنطلقات مختلفة .. وغالبًا ما تدفع سطحية الطرح في أدبيات التقريب، مناوئي التقريب إلى نشر الغسيل القذر ونكشه من خزائن التراث ودهاليزه العامرة .. أي أن الناتج من هذا لا يكون 'عدم التقريب' فحسب، بل المزيد من التباعد.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت