ـ [أبو عثمان السلفي] ــــــــ [12 - Apr-2007, مساء 01:20] ـ
.. لمّا قال ربُّنا -تعالى- في كتابه: {والعصر إنَّ الإنسان لفي خُسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصَوْا بالحقِّ وتواصَوْا بالصبر} : كان ذلك منه -جلَّ وعلا- كلامًا فَصْلًا جزْلًا، عظيمًا جليلًا؛ له حقيقتُهُ، وله آثارُهُ ...
فَخَتْمُ السّورة بذِكرِ (الصبر) بعد (الحقّ) دليلٌ حَتْمٌ على أنَّ الحقَّ قد يتفلّتُ مِن أصحابه، إنْ لم يُصاحِبْهُ صبرٌ عليه، ومُصابرةٌ بشأنِه ..
فمِن صِفَةِ الحقِّ -الذاتيّة- أَنّه ثَقيلٌ على النُّفوسٍ، شَديدٌ على القلوب؛ لأنَّه يُخالفُ مألوفَها، ويُغايرُ مسالكَها -إلا مَن رَحِمَ- ...
وإنّي إذْ أذكُرُ هذا الكلام -هنا-، وأتذكَّرُهُ:
فإنَّ ذلك لِمَا يَصِلُ إلى مسامِعنا، وتُعاينُهُ أبصارُنا -بين الحين والآخَر- مِن رسائلَ -تصدُرُ مِن هُنا (!) أو إشاراتٍ تَنطلقُ مِن هُنالك (!) -إمّا عن مجهولٍ مُبْهَم: لا يُدرى رسمُه، ولا يُعْرَفُ اسمُهُ، أو مِن مَعْروفٍ مُتَوَارٍ: يُشِبُّ -كلاهما- النّارَ، ويُوَهّجُها، ويُعْلِي ألسنتَها، ويوسِّعُ دائرتَها؛ وهم عنها بمعزِل، ودونها بأبعد مَنْزِل!!
ويتلقَّف هذه الرسائلَ (!) أفرادٌ وجماعاتٌ، يُعْلونَ مِن شأْنها، ويَتَّخِذونها منهجًا، ويختطُّونها لأنفسِهم طريقًا؛ له يسلكون، وفي فَلَكِه يدورون، فَيَثُورونَ ويُثَوِّرون!!
في الوقت الذي يطيرُ بهاتيك الرسائل -مِن جهةٍ-، وآثارِها وتَبعَاتِها -مِن جهةٍ أُخرى- أعداءُ الإسلام المُتربِّصون، وأضدادُهُ المتصيِّدون -مِن ظاهرٍ أو مكنونٍ! -، لِيَشُدُّوا -أكثر وأكثر- قَبْضَتَهم، ولِيُضعِفوا -أكثر وأكثرَ- مَن لهم يَتَصَيّدون، ومَن بهم يتربّصون!!
فنرى، ونُحِسُّ، ونسمعُ، ونُعايش: ألوانًا مِن الضُّغوط، وأصنافًا مِن الويلات، وأنواعًا مِن المُنَغِّصات، الّتي تنقطع دونها الأعمال، وتضعُف أمامَها المسالك، و (يكادُ) تَتَهادَى بين يَدَيْها الآمالُ، وتَخِرُّ لها الأمانيُّ!!
ولكنَّ الأمرَ -مِن قبل ومِن بعد- كما قال ربُّنا ذو الجلالِ والإكرام: {ولا تهنُوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} .
نعم ...
لن نَهِنَ ..
ولن نحزَن ..
ولن نستكين ...
وأملُنا بربِّنا عظيمٌ ..
وظَنُّنا بمولانا كبيرٌ ..
ولكنْ؛ مَن المُستفيد مِن هذا التصعيد؟!
هل سيستفيد منه المسلمون؛ وهم المُسْتَضعَفون؟!
أم سيستفيد منه -تربُّصًا وتصيُّدًا- أولئك الأعداءُ الماكرون -وهم الأَقوى فيما تراه العيون-؟!
إنَّ أولئك المُثَوِّرين -في تصعيدهم، وتثويرهم- سواءٌ منهم الظاهرون أم المُتوارون! - لم يُدْركوا حقيقةَ المصالح الشرعية المُرتبطة بمقاصد ديننا العليّة؛ فلم يكُن لهم مِن هَمٍّ -في سائر فعائِلهم- إلا أن يُثبِتُوا وجودَهم -كيفما كان الأمرُ! - ولو على حِسَِاب ما يجري في مَنَاحٍ أُخرى في عالَم الإسلام الكبير المترامي الأطراف -اليومَ-؛ سواءٌ في العراق، أو أفغانستان، أو فلسطين ... أم في السعودية، أو الجزائر، أو الأُرْدُنّ!!
وجميعُها شَهِدَتْ -وتشهدُ- ما اللهُ به عليمٌ: من فِتَنٍ ومِحَن -على نِسَبٍ وتفاوُتٍ- ...
ولقد ذكّرني هذا (التصعيدُ) -الشديد- بمقالٍ كتبتُه قبل خمسةَ عَشَرَ عامًا -قبل (11سبتمبر) وتداعياتها! -، يومَ أن كان التصعيد -كما يُقال-:
أرى خَلَلَ الرمادِ وميضَ نار ويوشِكُ أن يكون لها ضِرامُ
فكتبتُ -يومئذٍ- ما نصُّهُ:
«تصعيد المُواجه ... لمصلحةِ مَن؟!
تعيش الأَمّةُ -منذ عقودٍ- أحوالًا سيئة مِن الضَّعفِ، والعجزِ، والخَوَر، وأخرى مُظلمةً مِن التَّبعيَّة، والتفرُّق، والتّشتُّت ...
وما حصلَ هذا كلُّه إلا بعد انحِسَار مدِّ دولة الإسلام (الشاملةِ) ، وتفرُّقها إلى دُويلات مُتَفَتِّتة، وممالكَ متعدِّدة، ذات حدودٍ مصطنعة، رَسَمَتها أصابعُ (المُستعمِرين!) في أوائل القرن العشرين ...
.. ومنذ ذلك الحين والمُلتزمون مِن المُسلمين (يُحاولون) إعادة مَجدٍ، وإصلاح أمَّةٍ، وبناءَ عزٍّ، ولكنَّ الضغوط التي يُواجهونها أشدُّ وأنكى مِن أن تسمحَ لهم بشيءٍ مِن ذلك، وإن ظنَّ المستعجلون أنَّ الفُرَصَ (قد) تسنح بذلك!!
(يُتْبَعُ)