ـ [أبو القاسم] ــــــــ [18 - Dec-2008, مساء 12:49] ـ
"قراءة في الاختراق العقدي للأمة في زمن عزتها! *"
"وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون"هذا لزوم المحجة مأمورًا به كما ترى وهو بيّن كالصراط نفسه .. فماذا بعد الطريق اللاحب من حجة؟
لا خلاف بين العقلاء أن الاستشراق كمقدمة طبيعية للغزو الثقافي
كان أخطر بكثير من الغزو العسكري .. ومازالت تبعاته تنكأ الجراحات
وتضميد هذا النوع يستنزف طاقاتٍ .. ويتطلب نخبة عالية من ذوي الفكر الواعي والعلم الواسع , يجمعون بين الشرعيّ منه والدراية الكافية بالثقافة الغربية وطرائق تفكير القوم ..
على أن من البين بلا خفاء"أن كتب الاستشراق ومقالاته ودراساته كلها مكتوبة أصلا للمثقف الأوروبي وحده لا لغيره"كما يقول المحقق الكبير محمود شاكر رحمه الله عزوجل
فلهذا كان الاستغراب - وما يزال- الأخطر ..
عربٌ ولكن إن نزعتَ جلودهم .. لوجدت أن اللبَ أمريكاني
وعند الناس اليوم يكاد يعد من المسلمات أن جذور الاستغراب تؤول إلى
حقبة الاستخراب التي أسفرت عن التقدم الصناعي .. والتطور المدني
وحينئذ لا غرابة أن يقع في شرك الانبهار ثلة من المنهزمين من دواخل أنفسهم .. حتى إن بعض كتبهم تنبيك عناوينها عن هذا الانحطاط الثقافي دون الاضطرار لقراءة شيء منها .. (انظر مثلا: التبريز في محاسن باريز لرفاعة طهطاوي شيخ الأزهر!)
فلا استغراب أن يقع أمثال هؤلاء في الاستغراب .. لأن أسلحتهم الإيمانية والثقافية كانت قد اهترأت من قبل ..
لكن .. قد دل تاريخ الأمة على أن وقوعها فيه قديم في بعض مناحيه .. وذلك منذ ترجمت كتب اليونان .. وهي إذ وقع منها ذلك فلم يكن استنقاذا لنفسها من وهدة الفقر .. ولا غيابة الجهل أو الذل .. بل كانت إذ ذاك في أوج عزتها .. حتى أن المقولة التي أصبحت مثلا في التباكي على المجد السليب تنتمي إلى ذلك العصر (أمطري حيث شئت فسوف يأتيني خراجك)
ولئن كان مفهوما في هذا العصر أن تستلب عقولٌ فتهيم في التغني بحضارة الغرب وتتمثل قيمهم كركيزة جوهرية -بزعمهم-في النهوض من ردة التخلف ..
فلا ينقضي العجب من وقوع الأمة آنذاك (في عهد العباسيين) .. في هذه السقطة الكبرى .. التي هي أسوأ من تسول الأثرياء على أبواب الفقراء المخلوعة
.. فما تُراه سبب هذه السقطة .. الكبرى؟ .. والكبرى جدا!
(لم أتعود أن أكيل"جدا"بالمجان .. كرديف كلما استعظمت شيئا)
سأحاول الإجابة عن هذه القضية الحضارية .. مستعينا بالله عز وجل ..
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ..
ذكر ابن النديم أن (خالد بن يزيد بن معاوية .. خطر بباله الصنعة فأمر بإحضار جماعة من الفلاسفة ممن كان ينزل مدينة مصر .. وأمرهم بنقل الكتب في الصنعة من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي وهذا أول نقل كان في الإسلام من لغة إلى لغة .. )
وفي طوايا الزمن قد تلمح بارقة سبب تحيل إليه ما بعده ويحسبها العجِل مُستَمسكا في تفسير التاريخ .. غير أن الارتباط لابد أن يكون
ذا وزن .. لئلا يكون التفسير مشتملا على تجنّ .. والأمانة العلمية يثقل عبؤها بقدر جلالة الأمر أو رجاله أوحساسيته أو مؤنة التبعات
ومن ذلك ما تراه في كتابات بعض العالة على أبحاث الاستشراق .. مثلا, في ربطهم نشأة الاعتزال بموقف الصحابة الذين"اعتزلوا"الفتنة! .. بين علي ومعاوية رضي الله عنهما
أو عزوهم نابتة الإرجاء إلى مواقف بعض الجند في الفتح حين عادوا فوجدوا الفتنة قد وقعت .. فتوقفوا .. ولم يرجحوا أحد الفريقين لالتباس الأمر عليهم
وهكذا نطوي صفحات بالإغضاء عن هذه الخطوة الأموية لأنها مؤطرة باقتباس ما يعد منفعة محضة .. من قبيل ما لا يحسن بالأمة أن تعدمه .. بل هي بفروض الكفاية ألحق
إلى أن يأتي أبو جعفر المنصور (ثاني خلفاء الدولة العباسية) ..
وتنحرف البوصلة الإسلامية شيئا يسيرا
حيث ترجم كاتبه عبد الله بن المقفع وغيره كتب المنطق عن الفارسية التي كانت ترجمت عن اليونانية ..
(يُتْبَعُ)