ثم توسعت في زمن الخليفة هارون الرشيد-رحمه الله تعالى- حين أمر الطبيب الفيلسوف النصراني يُوحنا بن ماسويه، بترجمة الكتب القديمة التي عثر عليها ببلاد الروم، و عيّنه مشرفا عاما على الترجمة إلى العربية, و كان يحيى بن خالد البرمكي الفارسي مربي الرشيد في صغره قد راسل ملك الروم وسأله كتب اليونان في خزائنه .. ،فلعله السر في سير الرشيد على دربه بتلمس النفع في هذه الثقافات وإن كان بنحو محدود
ثم اتسعت الرقعة وبلغت حد الفحش أكثر زمانَ المأمون المعتزلي ذي الميول الشيعية فراسل ملوك الروم يطلب الكتب على شغف منه وتعطش، ليترجمها إلى العربية التي وسعت كتاب الله لفظا وغاية كما يقول حافظ إبراهيم، فأرسلوا إليه كتبا كثيرة على بهجة منهم وحبور، من مصنفات فلاسفة اليونان و بلغ حد الهوس عند المأمون أن كان من شروط عقد الصلح بينه وبين الملك البيزنطي ميخائيل الثالث أن يعطيه مكتبة من مكتبات الآستانة
قال الصفدي: (حدثني من أثق به أن شيخ الإسلام ابن تيمية قدّس الله روحه كان يقول: ما أظن أنّ الله يغفل عن المأمون، ولا بد أن يقابله على ما اعتمده مع هذه الأمة من إدخال هذه العلوم الفلسفية بين أهلها)
وبعد هذا السرد الخاطف .. نعود لما أنشأنا المقال من أجله ..
أعني بيان السر الكامن الذي قد يفسر"انهزامية المنتصر"في شيء هو أعز ما يجعله منتصرا: العقيدة! .. (فما تراه سبب هذه السقطة الكبرى؟ ..(والكبرى جدًا ) )
وإني سائق لك من ركام الفكر ما قد يفسر الحقيقة المرة, محتقبا إبان ذلك ما تقدم من السرد التاريخي السالف ..
-حين أصبح كرسي السلطان معتزليّ القوائم .. و"إن الله ليزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن".. لم يكن غريبا أن يكون صاحبه"منفتحًا"على الثقافات الغريبة-أو الغربية إن شئت- وهو إنما أقام مركبه على تيار يضفي هالة من القداسة على"العقل"حتى لو سار به بعيدًا .. وإلى كل وجهة هي عكس النقل (تأمل إن شئت قول زعيمهم عمرو بن عبيد وقد ذكِر له حديث نبوي:"لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته ولو سمعت رسول الله يقول هذا لرددته ولو سمعت الله يقول هذا لقلت: ليس على هذا أخذت ميثاقنا".. !!) ولهذا وصفهم-أعني المعتزلة- آدم ميز وغيره من المستشرقين: بدعاة الحرية والفكر المستنير
ومن عجب أن مسألة الحكم في مرتكب الكبيرة وهي من كبريات مفاصلهم .. أكبر في حجمها وأغلظ من جل الكبائر التي بها يجعلون صاحب المنزلة بين المنزلتين في جهنم أبد الأبد ..
-وكانت سمعة الفلسفة قد اتخذت مكانتها في الحظوة حين انتسب إليها أطباء مهرة من النصارى واليهود .. والفلسفة في عُرف أهلها عَلمٌ على العلوم الطبيعية والإلهية والطب والمنطق والهندسة .. ولك أن تتصور طبقة من أهل القرآن والحديث ليس فيهم طبيب حاذق إلا على ندرة .. ثم يستأثر بالصنعة من يحمل شهادة"فيلسوف"مرتديا زِيّ الطبيب .. فما ظنك بتأثيره النافذ وسطوته على العقل والقلب معا؟
لعلك في شك مما قلتُ لك ,فإن كنت ..
فاسمع إذن شكاية الشافعي-رحمه الله تعالى-كمثال عابر, يقول الإمام:
(ما وجدت بعد علم الكتاب والسنة أنبل من الطب إلا أن أهل الكتاب غلبونا عليه)
وقال حرملة: (كان الشافعي يتلهف على ما ضيع المسلمون من الطب ويقول: ضيعوا ثلث العلم)
-ولهذا تجد فريق المترجمين من زبانية المأمون .. هم في سوادهم الأعظم لم يشموا رائحة الإسلام .. اسمع!: يوحنا بن ماسويه،،و يحيى بن البطريق، وحنين بن إسحاق، و زروبا بن ماجوه الحمصي،و صليبا أيوب الرهاوي،و داريع الراهب،و غيرهم من أمثالهم كثر
واعتبر حال طبيب طبيب واحد من هؤلاء (يوحنا بن ماسويه) يستعمله ستة خلفاء عباسيين: الرشيد و الأمين و المأمون و المعتصم و الواثق و المتوكل (حتى ناصر إمام السنة) , أما أبو جعفر المنصور فكان طبيبه هو"الفيلسوف":جورجيس بن يختشوع! ..
والسؤال البدهي هنا: أين الأطباء المسلمون؟ .. !!
وتأكد حرص أرباب الفلاسفة .. على صنائعهم التي اشتهروا بإتقانها كما أسلفت .. حتى أصبح الطب والفلسفة أشبه بالمترادفين .. وقدموا أنفسهم للناس باسم الحكمة والطب .. (انظر مثلا صنيع ابن أبي أصيبعة حين كتب في تراجم الفلاسفة فقد سمى كتابه"عيون الأنباء في طبقات الأطباء")
(يُتْبَعُ)