فهرس الكتاب

الصفحة 14432 من 28557

ـ [أبو عبد الله البدري] ــــــــ [22 - Jan-2009, مساء 02:08] ـ

لقد جاءت معركة بدر نتاجًا لمجموعة من الأحداث الجذرية، على كافة المستويات بين قوتين: القوة الإسلامية الصاعدة، تلك القوة التي طالما ذاقت الويلات على أيدي الجلادين من بني قومهم، وبين أعتى قوة عرفتها العرب، قوةٌ لها تاريخها في المعارك فضلًا عن أحسابٍ وأنسابٍ وتاريخٍ عقدي تدين به محرفًا عن دين إبراهيم عليه السلام، وفضلًا عن قوةٍ إعلاميةٍ مسيطرة بشكل كبير على الشعراء، والخطباء المأجورين، وأحبار أصحاب فتوى ذات بلاوى يزينون الباطل على كونه حقا ويشوهوا الحق فيجعلونه باطلا.

تمثلت القوة الإسلامية في محمد صلى الله عليه وسلم وحزبه، حزب الله، ألا إن حزب الله هم المفلحون، وبين قوة عاتية تمثلت في قريش، ورئيسها أبو جهل.

قبل الغزوة المباركة كانت قد حدثت بعض الأمور التي تعد تحركات ومساعي على المستوى السياسي آنذاك، بل وعلى المستوى العسكري من كلا الجانبين.

فأما على من جهة الجانب العاتي والطاغي، فعلى المستوى السياسي فقد كانت قريشا لا تكل، ولا تمل من أن تذيع التصريحات الرنانة، من أنها سوف تقوم بتوجيه ضربة قوية تستأصل فيها قوة المدينة، وتقبض على قائد القوة الناهضة فيها؛ إذ أنه مصدر قلق وإرهاب لها، فقد كانت بالفعل في كافة المحافل الدولية، والمحادثات الجانبية بين قادتها يتحدثون، ويلوكون في هذا الأمر كثيرا.

وأوضح مثالا على ذلك ما أرسلت به قريش إلى عملائها في المنطقة في المدينة وقالت لهم: إن لم تقوموا أنتم بطرد هذا الرجل والذين معه، فسوف نوجه لكم ضربة نقتل فيها رجالكم، ونسبي فيها نساءكم وأطفالكم.

وبالفعل كاد أن يقع الخطب الجلل، والأمر العظيم إلا أن ذكاء صاحب الدعوة المباركة المؤيد بالوحي من ربه، قد امتص غضب القوم، وأوقفهم على الحقيقة التي لا مناص منها من أن قريشا أرادت أن توقع بينكم وبين أبنائكم الذين أسلموا، فما كانت تكيد لكم قريش بأكثر مما تكيدون به أنفسكم، وهنا فطن القوم إلى اللعبة، فهل يا ترى قد فطن قومنا وقراؤنا إلى حقيقة اللعبة.

ولعل من الأدل على ذلك ما حدث مع سعد بن معاذ رضي الله عنه عندما طاف بالبيت فمنعه أبو جهل عندما علم أنه ممن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، فيقول أبو جهل والله لا تطوف به وقد أويتم الصبا، - وقد كشف - أيضا - موقف سعد هذا عن شيء ليس بالقليل عما كانت تمور به قيادة المدينة من حنق وغضبٍ على أولئك الأفاكين الطاغين الذين طالما سيطروا على بيت الله الحرام، مدعين في دين الله ما ليس فيه متجهين شرقا وغربا إلى الفرس تارة والروم أخرى يتسولون على موائدهم مع أن الله قد أكرمهم وأعطاهم مصدر عزهم ومجدهم الذي به يسوسون الأمم، فقد خولهم بيت الله الحرام الذي يسيطرون عليه، مدعين أنهم أصحاب حرم الله، - فيقول سعد: - في إباء -والله لأطوفن به أو لأمنعن عليك ما هو أشد عليك من نفسك؛ تجارتك إلى الشام!!.

وكأن سعدا كان يوافق القدر في مقولته هذه؛ إذ أن هذا ما سيقع بالفعل بعد قليل متمثلا في هذه الغزوة المباركة غزوة بدر.

ويلاحظ المرء كيف أن سعدا يدرك ما غفل عنه قادة القرن الواحد والعشرين - الذين درسوا السياسة والدياثة وكل أنواع المذلة والمهانة - فها هو يلوح بالورقة الاقتصادية، وكأني به لو يعلم أن أرضه تنتج النفط والبترول لمنعه عن قريش؛ لأجل خدمة دين الله، ونصرة لصاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم، فالرجل يلوح بأقوى سلاح عنده يلوح بالاقتصاد، إنه يدرك عصب الحياة بالنسبة للمشركين ويضغط به.

إن المرء ليقف خجولا إزاء هذا الإدراك الواعي من هذا الصحابي الجليل ولا يدري بما سيجيب أبناءه حينما يسألونه لماذا لم نعمل عملهم ونصنع صنيعهم إذا ما تشابهت ظروفنا مع ظروفهم؟ لا أدري بما سأجيب هل يا ترى أجيب بأنهم أي الصحابة رضوان الله عليه متقدمين عنا في فهم السياسة التي ندعي كذبا وزورا أننا أربابها، أما أجيبهم بأن ندرك ولكننا لا نريد أن ندرك أننا ندرك؟ أم بماذا أجيب، أجيب بأننا ندرك إلا أننا جبناء؟.

حقا لقد أدركت اللحظة أن نصوص السيرة تحتاج لقراءة وقراءة لسبر أغوار هذا الكنز المكنون.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت