فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [سلمان أبو زيد] ــــــــ [28 - Jan-2010, مساء 12:01] ـ
بسم اللَّهِ الرَّحمن الرَّحيم
الحمد لله على رب العالمين، والصلاة على نبيه وعبده، أما بعد،،
فقد قرأت كلامًا لأحد الكُتاب من أنصاف المتعلمين، يُفسر القرآن على ما يهواه، ويُقرّره على ما يراه، ويذكر أن الحجاب من خصوصيات أمهات المؤمنين وعلى هذا فالاختلاط محرم عليهن خاصة، لأن الله ذكرهن وحدهن في الآية: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) .
فهذه جهالة عصرية، لا تقوم على نظر، ولا على برهان، ولا على قولٍ لأحد من مفسري القرآن من السلف، وكأن القرآن لم يَفهمه أحد إلا أهل الحضارة المعاصرة، وخير القرون ومن بعدهم نقلوا الأحكام على غير وجهها، وفهِم الصحابة والتابعون وأتباعهم والأئمة الأربعة القرآن وعملوا به غلطًا وسوء فهم، وبيان ذلك على هذا التفصيل:
أولًا: أن القرآن عام للناس بجميعه كما قال تعالى: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) أي من يبلغه ما فيه ممن يجيء بعدكم فهو حجة عليه، والعبرة بعموم حُكمه، وإن تم تخصيص الخطاب لأعلى البشر وهم الأنبياء، فضلًا عن آحاد الصحابة وأزواج الأنبياء، لقوله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: (إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين) ، فإذا كان خطاب الأنبياء الوارد في القرآن المخصوصين به عام لأهل الإيمان فكيف بخطاب توجه لمن هو دونهم، فإذا دخل المؤمنون في خطاب الأنبياء فدخول النساء في خطاب أمهات المؤمنين أولى.
ثانيًا: أن تخصيص القرآن لأحد بعينه لمزيد اهتمام فيه، وأنه أولى بالاتباع من غيره، والخصوصية لا تثبت إلا بدليل زائد عن مُجرد الخطاب، كما هي عادة القرآن في خصائص النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى: (خالصة لك من دون المؤمنين) ، وقوله تعالى: (لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ) .
ثالثًا: أن آية الحجاب جاء معها بنفس الخطاب أوامر أخرى: (وَاذْكُرْنَ -يعني يا أزواج النبي- مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ) فهل هذا الخطاب خاص، فلا يُشرع ذكر ما يُتلى في بيوتهن من القرآن والسنة إلا أزواجه! مع أن هذه الآية أظهر في الخصوصية حيث قال: (في بيوتكن) وأما في الحجاب قال: (من وراء حجاب) فما قال: (حجابكن) كما هنا (في بيوتكن) وهل يفهم من هذا التخصيص الزائد: أن لا يدخل فيه تلاوة الآيات والحكمة في بيوت غيركن، ولا غيركن في بيوتهن وبيوت غيرهن، وهذا لا يقول به مسلم، ولا يلتزمه من يقول بخصوصية الحجاب مع أنه في نفس الآيات ونفس السياق.
رابعًا: ما أجمع عليه العلماء أن الأحكام تدور مع العلل والمقاصد من التشريع، فالله تعالى قال في آية الحجاب مخاطبًا الصحابة: (ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) فما هو الشيء الذي يُريد الله إبعاده من قلوب الصحابة وأمهات المؤمنين ولا يوجد عند بقية النساء وبقية الرجال إذا التقوا في المجالس والبيوت والتعليم، وما هو الشيء الذي يجده الصحابة تُجاه أمهاتهم أمهات المؤمنين ولا يجدونه في بقية النساء، فإذا كان الحجاب أطهر لقلوبهم فمن بعدهم أحوج إلى هذه الطهارة.
وإذا كان الاختلاط منع منه من وُصفن بالأُمهات وزوجهن أولى بالمؤمنين من أنفسهم: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) خوفًا على قلوب هؤلاء الأُمهات وقلوب أبنائهن وهم خير الأجيال، فكيف بقلوب غيرهم رجالًا ونساءً.
خامسًا: أن الله قال: (أطهر لقلوبكم) فجعل طهارة قلوب الصحابة مطلبًا بذاتها، وهذا يحصل في جميع النساء بل هو في غير أمهات المؤمنين أكثر، لأن نظر الصحابة لأمهات المؤمنين نظر إجلال وتعظيم وتوقير.
سادسًا: أن الصحابيات اعتدن على تتبع أمهات المؤمنين فما فعلنه يرينه تشريعًا لهن من باب أولى، كما جاء في البخاري ومسلم عن عمر أن زوجته هجرته فقالت له محتجةً بأُمهات المؤمنين: (ما تنكر فو الله إن أزواج النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل) .
(يُتْبَعُ)